أنطون تشيخوف، هو كاتب روسي، صُنف كسيد القصة القصيرة وأحد أهم الكتاب المسرحيين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.ونقدم لكم اليوم نبذه عن روايته " الرهان "



رواية الرهان The Bet هي إحدى روائع الأدب الروسي للأديب العالمي أنطون تشيخوف، وهي من النوع الكلاسيكي، تدور أغلب أحداثها داخل غرفة مغلقة، يقوم فيها تحدي أشبه بالرهان على الحرية والمقايضة بينها وبين المال، بين ذلك الشاب الفقير الذي يعمل بالمحاماة والعجوز المليونير، ينشأ تحدي لمدة خمسة عشر عامًا فأيهما يفوز وينتصر المال أم الحرية.المليونير العجوز داخل القصر :
تبدأ أحداث الرواية للأديب أنطون تشيخوف داخل تلك الغرفة التي يمتلكها المليونير العجوز داخل قصره الفاره، والتي يتجول فيها ذهابًا وإيابًا حاملًا عبئًا من الهموم، والذكريات فهنا يتذكر ذلك اللقاء الذي مر عليه خمسة عشر عامًا حينما كان يجلس مع مجموعة من رفقائه يتحدثون حول عقوبة الإعدام ومدى أخلاقيتها وهل الأفضل أن يتم استبدالها بعقوبة السجن مدى الحياة أم لا؟ وهنا احتدم النقاش ببين جميع الموجودين ما بين مؤيد ومعارض للفكرة.

فهناك من يرى أن الإعدام لا يتوافق مع تعاليم المسيحية التي تقدس الروح وتهبها للإنسانية فكيف يأتي من يسلبها إياها بدعوى أخذ الحقوق، وهناك من يرى أن السجن مدى الحياة هو العقوبة الأقل إيلامًا، وهنا صاح المليونير العجوز أن في رأيه أن تلك العقوبتين هما وجهان لعملة واحدة وهي سلب الروح من الشخص إما عن طريق قتله أو عن طريق حبسه عن جميع ملذات الحياة.الرهان :
وفي ظل تلك المشادة الكلامية يظهر فجأة ذلك الشاب ذو الخامسة والعشرون عامًا معربًا عن رأيه الشخصي أنه يفضل أن يحبس طوال حياته على أن يموت فالحبس مع الحياة أفضل لديه من الموت نفسه، وهنا يصيح العجوز متحديًا إياه أنه على استعداد أن يدفع مليونين من الجنيهات مقابل أن يقضي ذلك الشاب خمس سنوات من عمره داخل الحبس الإنفرادي حتى يستطيع إثبات صدق أرائه.
وبين لحظات من السكون واندهاش الجميع من قيمة الرهان المرتفعة ومن المقابل الذي يقايض العجوز به الشاب وهو حريته لمدة خمس سنوات، فجأة يوجه الشاب كلماته إلى العجوز قائلًا له: إن كنت حقيقةً تعي ما تقول فأنا أعدك أن تكون المدة خمسة عشر عامًا مقابل مليونين من أموالك، ووسط ذهول الجميع وافق المليونير العجوز على الرهان والتحدي معلنًا أنه سوف يتم وضع شروط لذلك الرهان.ظل الجميع يحاول أن يثني الشاب عن قراره حتى العجوز نفسه ظل يذكره أنه ما زال في ريعان شبابه وأن الحبس سوف يأخذ الكثير من عمره ومن الفرص التي من الممكن ان يحصل عليها إلا أن الشاب كان مصرًا على رهانه، ولم يتراجع أو يفكر للحظة لكن العجوز كان متأكدًا أنه مجرد اندفاع من الشاب ريثما يعود بعده إلى صوابه ومع ذلك بدأ في وضع الشروط الخاص باعتقال الشاب.شروط الرهان :

في الرابع عشر من نوفمبر عام 1870م ، في الساعة الحادية عشر وضع المليونير العجوز شروط الرهان والتي كانت تقضي بأن يمضي الشاب خمسة عشرًا عامًا من عمره تحت الرقابة الجبرية في حديقة المليونير الخاصة بالقصر على ألا يخرج من باب الحجرة نهائيًا لرؤية الناس، أو حتى الحديث معهم، وكذلك عدم استلامه للرسائل أو الصحف.
في المقابل كان مسموح للسجين الشاب نافذة صغيرة مطلة على حديقة المنزل ، تسمح بمرور بعض نسمات الهواء وكذلك ألته الموسيقية، وبعض الكتب التي قد تعينه على عزلته ، ومنحه الحق في اقتناء الخمر، والتدخين ، وكتابة الرسائل، كما نص الرهان أيضا على عدم خروج الشاب نهائيًا حتى الرابع عشر من نوفمبر من العام 1885م في تمام الساعة الحادية عشر بعدها يصبح الشاب حرًا يمتلك المليونين لكن قبل ذلك ولو بدقيقة واحدة يخسر الشاب رهانه.سنوات العزلة :
بدأ الشاب حياته داخل تلك الغرفة المغلقة في جو حزين مليء بالاكتئاب الذي حاول التغلب عليه بالعزف على البيانو تلك الآلة التي كانت تؤنس لياليه الكئيبة، مع مرور الوقت بدأ الشاب في طلب الكتب الكثير منها كان يؤنس وحدته حتى انه امتنع عن شرب الخمر نهائيًا وعكف على التهام الكتاب تلو الآخر وكأنه في سباق دائم مع التعلم، بعد فترة عاد إلى شرب الخمر مرة أخرى، وكان يمضي يومه خالي الذهن ينام ويشرب الخمر فقط في حالة طويلة من اليأس.
لم تطل هذه الفترة حتى عاد إلى سابق عهده في القراءة والتعلم، حتى انه أتقن ست لغات عالمية، بجانب قراءته إلى ما يقرب إلى ستمائة كتاب في أول أربع أعوام، أكمل السجين ببعدها مشواره ورحلته الطويلة مع التعلم، والتي كان يتابعها ذلك العجوز عن كثب وهو غير مصدق على إصرار ذلك الشاب عن حريته مقابل مليونين من الجنيهات.خطة للتخلص من الرهان :
مرت خمسة عشر عامًا بالتمام والكمال واليوم هو اليوم القبل الأخير لانتهاء الرهان وغدًا سوف يصبح الشاب السجين مليونيراً، كانت تلك الكلمات تدور بخلد العجوز الذي فقد الكثير من أمواله خلال تلك الأعوام في المقامرة على عكس الشاب الذي قضاها بين كتب العلوم والطب والكيمياء والإنجيل، أحس العجوز بغصة في حلقه فكيف يدفع بالمليونين لذلك الشاب وهو لا يملك إلا إياهم تقريبًا.
فكر العجوز قليلًا ثم واتته فكرة شيطانية فكيف لو تخلص من الشاب وقتله وادعى أن الحارس هو من فعل ذلك بعدها يتخلص من ذلك الرهان اللعين، وبالفعل هرول إلى غرفة السجين وفتحها لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، داخل تلك العتمة والظلام عثر على جسد نحيل هيكل عظمي في صورة إنسان يجلس على طاولة ويمسك كتابًا وجد بجانبه رسالة وما أن امسكها حتى اكتشف أنها موجهة له.العصفور ليس أسير القفص :
كتب الشاب عن رحلته التي رأى فيها الجنة وكيف عاش في تلك الحرية المطلقة بين الكتب بعيدًا عن الزيف وعن تلك الدنيا المليئة بالشهوات، فهو يرى أن مكسبه الحقيقي كانت تلك سنوات العزلة وأنه لم يعد محتاجًا إلى تلك النقود وأنه سوف يهرب فقط حتى يتخلص من ذلك الرهان لأن مكسبه الحقيقي وسعادته تكمن في حريته الداخلية فنفسه ليست أسيرة للشهوات كسابق عهدها.
بكى العجوز قليلًا ثم قبل رأس الشاب وانصرف وفي الصباح أخبره الحارس أن السجين قد فر قبل الموعد المحدد، تظاهر العجوز بالمفاجأة إلا أنه كان يعلم جيدًا أنه هو السجين الحقيقي وليس ذلك الشاب الذي يعرف المعنى الحقيقي للحرية.