النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: السودان بعيون مغربية

  1. #1
    منتديات كلمات مضيئة
    الصورة الرمزية الأدهم
    تاريخ التسجيل
    17 / 04 / 2009
    المشاركات
    3,831
    مقالات المدونة
    4
    معدل تقييم المستوى
    523

    السودان بعيون مغربية

    السودان بعيون مغربية




    خاطرة الاستاذة :- عائشة البصري *

    "احذري النوم بين مجريين فالملتقى خديعة" تذكرت وصية الجدة هاته -التي لم أدرك معناها أبدا- وأنا في مدينة الخرطوم. كان الفندق الذي أقيم فيه يقع بالضبط بين النيل الأزرق والنيل الأبيض وعلى مرمى البصر يوجد ملتقى النيلين "المقرن".
    هكذا تستلقي الخرطوم بين نهرين، في استرخاء تام . غير عابئة بجريان النهر ولابمجريات العالم الخارجي . لاشيء يزعج صباحاتها أو يقلق سمرها الليلي الهادئ والبريء. لا ناسكة ولا معربدة. تؤمن بجمالها الخاص جدا. مزهوة بملحفتها البسيطة ،لا تغريها تقليعات الغرب ولا ابتكارات أمريكا. كتومة: لم يكشف لي النيل الأبيض- المواجه لنافذتي - عن غابة أشجار الطلح التي كانت تنام في حضنه إلا في اليوم الرابع. شحيحة الضوء ،تحجب سماءها خلف ضباب خفيف أو غبار كثيف. خمسة أيام لم نر فيها الشمس بوضوح رغم أن الحرارة كانت تفوق الأربعين درجة.
    مدينة ينام النيل تحت قدميها . كلما اشتاق ، فاض عن سريره وداعبها بمائه.
    العاصمة الثلاثية.
    ترددت كثيرا قبل قبو ل الدعوة إلي السودان تهيبا . وذلك ضمن وفد مغربي مشارك في فعاليات " الخرطوم عاصمة للثقافة العربية-2005". المدن التي لايجاورها البحر لاتغريني كثيرا . بل أحس فيها بالإختناق وجفاف الروح ..
    عند نزولنا في المطار، كانت الحرارة ثلاثة وأربعين درجة . لكن بمجرد ما أطللنا على شارع النيل المحاذي للنيل الأزرق، وهو من أهم شوارع مدينة الخرطوم، حتى انتعشنا لرؤية الماء وهبت نسمات رطوبة أذهبت عنا توتر اللقاء الأول.
    تقع مدينة الخرطوم وسط شمال السودان. وتسمى العاصمة الثلاثية لتفرعها إلى ثلاثة مدن فرعية هي :الخرطوم ،أم درمان والخرطوم بحري . أصبحت عاصمة للسودان خلال مرحلة الحكم التركي. لاسمها علاقة بشكلها الجغرافي ، ويعني لسان الأرض المحاط بالخضرة و الماء. سكانها خليط من معظم القبائل السودانية، اضطرتهم لقمة العيش إلى حضارة المدينة . تحتل الديانة الإسلامية المرتبة الأولى . تليها المسيحية، خاصة الكنيسة الكاثوليكية . لهذا يغلب الطابع الإسلامي على التعامل اليومي للسكان . من مظاهره " غطاء الرأس عند النساء الذي يكاد يكون عاما . تجريم بيع الخمور أو تقديمها حتى في أفخم الفنادق. تعدد الزوجات، إذ لا يتحرج الرجل السوداني في إعلان رغبته في الزواج للمرة الثانية والثالثة وربما الرابعة وحتى أمام زوجته. المسجد كمرفق ضروري لجميع البنايات العمومية والخاصة .. أغلب الضن أن كل هذه المظاهر الإسلامية هي من مخلفات دستور 1983 الذي وضعه الرئيس الأسبق جعفر النميري ، والذي سن على أساس أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع والقوانين .
    أهم ما يميز مدينة الخرطوم عن باقي المدن تموقعها بين أكبر فرعين لأطول نهر في العالم: النيل الأبيض هادئ. وهو أطول وأهم رافد للنيل الكبير . ثم النيل الأزرق، وهو الأكثر قوة والأكثر دفقا للمياه. نحث مساره على شكل قوس. يتجه الفرعان من الجنوب إلى الشمال ويتعانقان عند مدينة الخرطوم، ويتحدان باسم نهر النيل الكبير الذي يتدفق عبر الشلالات والسدود عابرا الصحراء الكبرى، مخترقا الأراضي السودانية، ثم المصرية ليصب في البحر الأبيض المتوسط.
    تحكم نهر النيل العظيم في اقتصاد البلدان الواقعة على ضفافه بل رفض هذا النهر الثائر الاستسلام لعملية الترويض و التحكم في حركة تدفقه وقد تسببت السدود والخزانات الاحتياطية في زيادة ملوحته وإفقار الزراعة وانتشار الأمراض.
    يعتبر النيل رابطا طبيعيا بين مصر والسودان . لعب السودان دورا أساسيا في حياة مصر الاقتصادية في الدولة الحديثة.استفادت مصر من موارده وثرواته من الذهب والأبنوس وسن الفيل والبخور.. وللإشارة فقد كانت السودان إقليما من أقاليم مصر في عهد الدولة المصرية الوسطى ..
    كما أن الآثار التاريخية للسودان لاتقل أهمية عن تلك الموجودة في مصر . لكن الاهتمام بهذه الآثار لم يبدأ إلا في الربع الأول من القرن التاسع عشر بعد أن زارها علماء أوروبيون وبالضبط في عام 1820 ووضعوا خرائط ورسومات لأهرام البركل و نوري، وكذلك لمعابد شمال السودان ونقلوا الكتابات المنقوشة على جدرانها. في بداية القرن العشرين اقتنع علماء آثار من جامعة أكسفورد بأهمية تاريخ السودان القديم وآثاره .
    قبيلة المغاربة
    في صباح يوم الجمعة اتجه موكب من السيارات إلى قبيلة المغاربة. وهي قبيلة من أصول مغربية ، نزح سكانها من المغرب إلى السودان حاملين معهم تقاليدهم وعاداتهم وطرق تدينهم (الطرقية الصوفية) . أغلبهم عرفوا السودان وهم في طريقهم لأداء مناسك الحج . و تبعد القبيلة عن مدينة الخرطوم بحوالي ساعة زمنية (العودة استغرقت ساعتين، أضاع السائق طريقه فتهنا في أرض خلاء إلا من أشجار الطلح ). بعد الطريق الرئيسية انحرف الموكب شرقا ليشق الطريق وسط الغبار وأشجار الطلح الواطئة..
    كل سكان القبيلة كانوا في استقبالنا: بدق الطبول والزغاريد ونحر الإبل. استقبال لم نستوعب حرارته نحن سكان المدن الإسمنتية الباردة القادمين من صقيع العواطف وزيف الكلام.
    حرارة الاستقبال. حرارة الشمس . منظر الدم النافر من أعناق الإبل السائح على حمرة التراب . حرارة الأيدي المصافحة. دق الطبول العنيف.رشح العرق .الزغاريد.انعكاس الشمس الجارح علالرجال) طقوس( اللون الغالب على لباس الرجال) طقوس لها من الغرابة والحرارة ما أفقدني وعيي بالمكان.أحسستني أتلاشى كقطعة ثلج في قعر صحن طيني ساخن. انهار جسدي . لم أستعد وعييي بالمكان إلا في فناء بيت واسع (بيت شيخ القبيلة) خصص للنساء فقط ،وقد تحلقت نسوية حولنا مرحبات . ومستفسرات . كن على مستوى عال من الثقافة والعلم . استفسرن عن المغرب : التقاليد، الطبخ ، وضعية المرأة بعد تعديل المدونة.إلا أن أغلبيتهن كن يعرفن مدينة فاس حيث ضريح سيدي أحمد التيجاني. كان الضريح ومازال وجهة مريدي الطريقة التيجانية المنتشرة بين القبائل المغربية في السودان . فالسودان بلد التصوف والمتصوفة، ومن يذكر التصوف في السودان لابد أن يذكر الشخصية الفريدة لمحمد أحمد المهدي وبما كان له من قدرات على ترويض النفس وتأثيره على عامة الناس فقد كان شغوفا بالعلم والتصوف.وقد صار على مذهبه أهل الكتاب والسنة .وإن تلاشى الإيمان بالمهدي كرجل دين فما زالت مكانته القومية وزعامته الوطنية راسخة في نفوس السودانيين إلى الآن. فثورته كانت حدا فاصلا بين عهد القبيلة وبزوغ القومية السودانية.

    جدلية الوحدة والانفصال
    ظلت قضية الحرب والسلام وجدل الوحدة والانفصال أهم التحديات التي واجهت سياسة السودان الحديث على مر خمسين سنة .لارتباطهما الوثيق بأزمة الهوية الثقافية . فالبلاد بكبر مساحتها وتعدد قبائلها عرفت نظاما قبليا واثنيا وعقائديا ما زال مؤثرا على الساحة السياسية إلى الآن . يهدد بالتمزق في أية لحظة . أمن البلد ووحدة الوطن مرتبط بتوافق إثني وقبلي .
    رغم عبوري السريع لدولة السودان .فقد لمست فرقا معينا بين النخبة الحاكمة والشعب السوداني وتفاوت طبقي ملحوظ. وما الهدوء الذي يبدو على ملامح السودانيين وإيقاع حياتهم البطيء إلا واجهة لغليان خفي -ربما- تؤججه الاختلافات الإثنية والعشائرية .إن حديثا عابرا مع تاجر في السوق أم درمان أو سائق طاكسي …يلخص حاجة شعب كامل لسلم اجتماعي واقتصاد متماسك يقي أغلب الطبقات الاجتماعية الحاجة والفقر. وهذا ليس بعيدا عن بلد كالسودان بثروته المائية الهائلة وثرواته المعدنية والطبيعية .


    ثقافة الاغتراب
    ارتبطت السودان في الذاكرة المغربية بأسماء ثقافية كالروائي طيب صالح و الشاعر محمد الفيتوري والشاعر جيلي عبد الرحمان والمفكر والباحث والشاعر عبد الله الطيب …مثقفون أثروا في الساحة الثقافية العربية طوال العقود السابقة.
    لكن أين مثقفوها؟
    مر الأسبوع الثقافي المغربي شبه معزول عن الصحافة وعن النخبة الثقافية. رغم أن البلد معروف بكثرة شعرائه لم نحظ - نحن الشعراء- بلقاء شاعرة واحدة. كما لم تجب بعض الكتب التي اقتنيناها من المكتبات عن أسئلة ألحت علينا خلال تواجدنا بهذا البلد:

    أين يتموقع المثقف السوداني في مرحلة دقيقة يعيشها بلده الآن؟
    هل اغتراب أهم مثقفيها في أوروبا وأمريكا مرده إلى ضيق مساحة التعبير ،أم هو اغتراب اختياري والرغبة في الاحتكاك بالثقافات الأخرى؟
    وهل حسمت النخبة المثقفة مسألة الهوية المتأرجحة بين العروبة والأفريقية؟
    هل مازال المثقف مؤثرا في الواقع السياسي والإجتماعي ، أم هو خارج كل المعادلات . بعد أن فشل في إنتاج معرفة تحدث التغيير دون تكسير الثوابت العشائرية والدينية.؟
    إن اختلاف الأقاليم والتقاليد وتنوع الطبيعة والموروث الحضاري كان من الممكن أن يكون إثراء لثقافة السودان ومرجعا أدبيا لأدبائه وانفتاحا فكريا لمفكريه بدل أن يكون سبب اختلاف وصرا عات دموية في غالب الأحيان.
    في السودان التقيت جدتي
    لم يفارقني طيف جدتي طيلة إقامتي بالسودان حتى إنني خلتها جالسة بين حشد النساء في فناء بيت شيخ قبيلة المغاربة (من مريدي الطريقة التيجانية) وهي تتلو "ورد الوظيفة" كما كانت تفعل بعد كل صلاة فجر . وقاية وحماية لكل أفراد العائلة من شرور العالم من الصباح إلى المساء. بل سمعتها يوما توشوش للجارة أن شقيق زوجها انكسرت ساقاه لأنه أهمل ورد الوظيفة.
    كما أن هذا البلد ارتبط في ذاكرة طفولتي بمحكياتها عن امرأة من السودان عايشتها في دار الحريم ببيت عديلها (من قواد قبائل الشاوية) . . وكانت تسهب في وصف جمالها وقوة بنيتها وغرابة وطباعها. فترسخت في مخيلتي الصغيرة حينذاك فكرة أن بلاد السودان هي تلك المرأة الشديدة السمرة والقوية البنية . ذات القدرات الخارقة على ترويض الجن والتحكم بالرجال.
    في طائرة العودة تذكرت الجدة مرة أخرى و تمنيت لو كانت على قيد الحياة، لأخبرتها أن نساء السودان جميلات ورقيقات كنسمات النيل المسائية، وأنني أخيرا فهمت معنى الوصية ولطمأنتها بأنني نمت بين النيلين وعاينت الملتقى(المقرن) عن قرب و لم تنكشف لي الخديعة.
    السودان الذي كانت تقصده الجدة حينها ليس هو السودان الحالي.


    * شاعرة وكاتبة مغربية


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    16 / 10 / 2010
    العمر
    35
    المشاركات
    1,734
    معدل تقييم المستوى
    291

    افتراضي رد: السودان بعيون مغربية


  3. #3

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    03 / 10 / 2011
    الدولة
    الامارات دبي
    المشاركات
    222
    معدل تقييم المستوى
    129

    افتراضي رد: السودان بعيون مغربية



  5. #5

    تاريخ التسجيل
    13 / 09 / 2012
    الدولة
    الرياض
    المشاركات
    1,788
    معدل تقييم المستوى
    273

    افتراضي رد: السودان بعيون مغربية


  6. #6
    الصورة الرمزية عاشق الغروب
    تاريخ التسجيل
    01 / 08 / 2012
    الدولة
    في بلاد الله الواسعه
    المشاركات
    1,531
    معدل تقييم المستوى
    252

    افتراضي رد: السودان بعيون مغربية

    ​يسلمواااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .


المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01 / 07 / 2013, 42 : 09 PM
  2. السودان يوقف نقل نفط جنوب السودان عبر أراضيه
    بواسطة ‏رٌۈح ٱٌنثے ❀ في المنتدى أخبار العالم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17 / 06 / 2013, 42 : 08 PM
  3. السودان ينفي توغل قواته في جنوب السودان
    بواسطة ‏رٌۈح ٱٌنثے ❀ في المنتدى أخبار العالم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16 / 06 / 2013, 21 : 08 PM
  4. السودان وجنوب السودان يوقعان اتفاقاً في أديس أبابا
    بواسطة الأدهم في المنتدى أخبار العالم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10 / 10 / 2012, 16 : 09 AM
  5. السودان وجنوب السودان يوقعان اتفاقاً في أديس أبابا
    بواسطة الأدهم في المنتدى أخبار العالم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29 / 09 / 2012, 20 : 09 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252