لقد جاءت رسالة الله سبحانه وتعالى إلى خلقه ، وأنزل وحيه إلى عباده وفيه من كماله وعظمته ورحمته ، ما يَطِبَّهُم ويُصلح شأنهم ، ويرتقى بهم إلى مافيه خيرهم جامعا للفرائض ، مبينا للحدود ، موضحا للمحارم ، مشتملا على ما يحيط بذلك من الأوامر والنواهى ، متوخِّيا من الأساليب أقومها فى تربية الناس ، ومن المناهج أقواها فى إصلاحهم .
ولقد كان الترغيب والترهيب من أبرز ما عالج به الإسلام شطط الإنسان وجُموحه وتمرده على الحق ، وما يدور فى فلك ذلك من معصية وإنحراف . الأمر الذى يؤدى فطريا إلى أن تتحرك نفس الإنسان من خموده ، وأن تستيقظ من سُبات ، وأن تختلط فيها بواعث الرغبة بعوامل الرَّهبة ، وأن تمتزج فيها دوافع الخوف ، وموجبات الرجاء ، والرجاء هو فى الإصطلاح : هو تعلق القلب بحصول محبوب فى المستقبل وهو توقع من بيده الخير ، والرجاء والإستبشار بوجود فضل الرب تعالى والإرتياح لمطالعه وكرمه ، وهو مِنْ أجَلِّ منازل السَّالكين وأعلاها شرفا . وفى الحديث الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة جل جلاله : " إبن آدم إنك مادعوتنى ورجوتنى غفرت لك ما كان منك ولاأُبالى ......" .
"الرجاء عبودية وتعلق بالله من حيث إسمه البر المحسن فذلك التعبد والتعلق بهذا الإسم والمعرفة بالله هو الذى أوجب للعبد الرجاء من حيث يدرى ولايدرى . فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته على غضبه . ولولا رجاء العبودية لعطلت القلب والجوارح ، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال فى بحر الإرادات " - من كتاب( بصائر ذوى التمييز) للفيروزابادى – ولو يعلم الناس مالدى الله من العدل والعقوبة ، ما أقدم على معصيته أحد ، ولويعلمون مالدى الله من الفضل والمثوبة ما قنط من رحمته أحد . والإيمان لايكتمل ، والعبادة لاتستقيم ، إلا إذا حلق المؤمن فى دينه وأعماله بجناحى الخوف والرجاء ، من حيث يدفعه الخوف إلى إجتناب التفريط والبعد عن القصور ، وضبط النفس على حُسْن العمل ، وإتقان أداءه والإخلاص فيه ، ومراقبة الله فى جليله ودقيقه . فالله سبحانه وتعالى لم يُطمعنا فى شئ قدر ما أطمعنا فى رحمته و حذَّرَنا من عقابه ، ولم يُسرع بشئ قدر إسراعه بقبوله ورضوانه ، وقُربه لأهل دعائه ورجائه ، والأمل فيه والقرب منه . فالخوف والرجاء جناحان يطير بهما المؤمن بالله سبجانه وتعالى إلى كل مقام محمود ، ومطيتان بهما يقطع المُقرَّبون كل عقبة كئود ، والمسلمون فى حاجة إلى الإدراك الواعى بعمق مفهوم الرجاء فى الرسالة الإسلامية ولارجاء للمسلمين فى شرق ولاغرب ولافى مذاهب دبجها سماسرة الفكرالبشرى .
فالرجاء كل الرجاء فى الله سبحانه وتعالى ، وفى رسالة الإسلام التى جاءنا بها الرسول الصادق الأمين ، ويقول عليه الصلاة والسلام : " كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ماجاء به غيره إلى غيرهم " . والإنسان لايستوى يقينه ولا يكتمل إيمانه ، ولا يصلح عمله ، ولا تستقيم عبادته ولا تزكو فطرته ، إلا بخوفه من ربه ورجائه فيه ، ولا يتزن الإنسان ولا تستقيم مسيرته فى الدنيا ، ولايصلح بين يدى ربه ومصيره يوم القيامة ، إلا إذا كانت حياته مزيجا من الخوف والرجاء ؛ لذا جاء الإسلام يدعونا إلى الخوف من الله سبحانه وتعالى والرجاء فيه .
ولو يعلم الناس ما لدى الله تعالى من فضل ورحمة لأهل خشيته والخوف منه والإجلال له ، وأصحاب القرب منه ، واللجوء إليه ، والرجاء فيه ؛ لأوْغلوا فى ذلك ، وألحُّوا فيه ، وأكثروا من طمعهم فى الله .
قال سبحانه وتعالى : " إنا نطمع أن يغفر لنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين " الشعراء 51 ". ويوم كان المسلمون يرجون الله سبحانه وتعالى وحده كانوا سادة الدنيا بحق وكان العدو يتهيب بأسهم ويخشى سُلطانهم ، وكان الشرق والغرب يعمل لهم ألف حساب .
المفضلات