ذكر الله تعالى


منتدى كلمات مضيئة يقدم لكم مجموعة شيقة من المواضيع المميزة وسنقدم لكم اليوم موضوع ذكر الله تعالى




يقولُ الله -عز وجل-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا" [١]، ويقول النبيُّ الكريم -عليه الصلاة والسلام-: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، ذِكْرُ اللَّهِ"[٢]، وقد اتّفق العلماء على أنّ ذكر الله تعالى يكون بالقلبِ أوّلًا، والاعتقاد الجازم بربوبيَّته ووحدانيَّته وكمال صفاته وأسمائه وأفعاله، وحبِّه حبًّا خالصًا ينعكس على أفعال عبيده وأخلاقهم، وقد وردت عن النبي الكريم صِيَغ كثيرة لذكر الله تعالى، كصيغ التهليل والتكبير والتحميد والتي سيتم الحديث حولها في هذا المقال.
التهليل

التهليل هو أصل التوحيد في صياغته ولفظه، ولا بُدّ أن يجتمع في المسلم أمران هما: التهليل لفظًا والهمّ بأفعالٍ توافق لفظ التهليل والتوحيد وعدم الإشراك ثانيًا، ففي السُّنّة النبويّة كَمٌّ كبير من الأحاديث المُتناولة للتوحيد والتهليل، ومن هذه الأحاديث ما حكمٌ عامّ مُطلق، ومنها ما هو حكم مُقيّد، ولا يصح الاحتجاج والاستناد على حديثٍ مُطلق دون الاطّلاع على الأحاديث المُقيَّدة الآخذة للموضوع نفسه، فمثلًا ما ورد في الحديث المُطلق عن أبي ذرٍّ الغفاريّ -رضي الله عنه- أنّ النَّبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: "مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَال أَبو ذَرٍّ وإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وِإِنْ زَنَى وِإَنْ سَرَقَ" [٣]، فلا يصح أخذ هذا الحديث دونما غيره من الأحاديث المُقيَّدة والمُفصَّلة كالذي ورد عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلّا الله وَحَدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهٌ وَرَسُولُه، وَأَنَّ عِيْسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، وَكَلِمَتُه أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٍ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالْنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ" [٤]، وقيل في تفسير هذا الحديث أيّ مَن نطق بها -التهليل- وهو عارف لمعناها، وعاملًا بأصلها ومقتضاها في ظاهره وباطنه، مُتيّقنًا من مدلولها علمًا ويقينًا والعمل. [٥]
كيف يكون التهليل

التهليل هو قول: "لا إله إلّا الله"، والتي معناها لا أحد معبودٌ بحقّ إلا الله -عز وجل-، وهذه الكلمة هي مفتاح الجنّة بلفظها واعتقادها، فلا يصحُّ مفهوم التهليل دون أن يستقر بالقلبِ أوّلًا من محبة وخشية وتوّكّل، ولا يصح دون عمل كالسجود والقُربات والذبح لغير الله، وليس من المُنصف قول أنّ التهليل "لا إله إلّا الله" تعني فقط إقرار قائلها بأنّ لا خالق إلّا الله، لأنّ المشركين كانوا معتقدين بأنّ لا خالق إلّا الله ومعتقدين اعتقادًا جازمًا بتفرّده بخَلق الخَلق، إلّا أنّهم لم يؤمنوا بِـ "لا إله إلا الله" من ناحية تفرّده بالعبادة، وأقاموا على إثر ذلك الحروب على الإسلام والمسلمين.
فضل التهليل

وردَ عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في فضل التهليل والذكر العديد من الأحاديث، وورد في الأثر عن الصحابة والتابعين والصالحين أيضًا كمًّا مُماثلًا وربما أكثر أو أقلّ، ومما ورد في فضل التهليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى إِثْرِ الْمَغْرِبِ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَسْلَحَةً يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ مُؤْمِنَاتٍ". [٦][٧]
التكبير

يُكرّر المسلم كلمة "الله أكبر" في اليوم الواحد ما يفوق الثمانين مرة في الانتقال بين حركات صلاته، و"الله أكبر" تعني: الله تعالى بصفاته وكماله وقدرته ورحمته وغضبه أكبر من كلِّ شيء في الوجود، وأكبر من الهمّ والحزن، وأكبر من الأمنيات العالقة والمعجزات المستحيلة، وعلى المسلم أن يستشعر هذا المعنى حقًّا في دعائه وصلاته، كي تناله بركة التكبير. [٨]
كيف يكون التكبير

بالإضافة إلى تكبير المسلم بين حركات الصلاة، وتكبيره عقب الصلوات، وتكبيره قبل النوم -ويُقصد بهذا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد على حدٍّ سواء-، هناك تكبيرات مُتعلّقة بشعائر دينيّة مُعيَّنة، وما يعرف بتكبيرات العيد، والتي يختص بها وقتي عيد الفطر وعيد الأضحى، حيث يُسنّ للمسلم التكبير بصيغة: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، ويبدأ التكبير لعيد الفطر من غروب الشمس ليلة العيد، إلى خروج الإمام لصلاة العيد، أمّا في أيّام ذي الحجة، وأيام عيد الأضحى والتشريق، فإنّ التكبير المُقيَّد يكون بعد الصلوات المكتوبة من صباح يوم عرفة -التاسع من ذي الحجة-، إلى غروب شمس آخر أيّام التشريق -الثالث عشر من ذي الحجة-، أمّا التكبير المُطلق فيكون من وقت رؤية هلال شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق. [٩]
فضل التكبير

يقول شيخ الإسلام، الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في فضل التكبير: "وجاء التكبير مكرَّرا في الأذان في أوله وفي آخره، والأذان هو الذِّكر الرفيع، وفي أثناء الصلاة وهو حال الرفع والخفض والقيام إليها"، وروى أنَّ: "التكبير يطفيء الحريق، فالتكبير شُرِع أيضًا لدفع العدو من شياطين الإنس والجن، والنَّار التي هي عدوّ لنا وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجَمْع أو لعظمة الفعل أو لقوة الحال أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة، ليُبَيَّنَ أن الله أكبر، ويستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار، فيكون الدِّين كلَّه لله، ويكون العباد له مكبّرون، فيحصل لهم مقصودان؛ مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه، ولهذا شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر". [١٠]
التحميد

هو الحمد أو التحميد، عادةً ما يرتبط التحميد والتهليل والتكبير والتسبيح في صياغة واحدة، مع اختلاف المعنى لكلّ من الكلمات، إلّا أنّه على المسلم، أن يعي كل صيغة من الصيغ بقلبه وفعله، فالحمد مثلًا يشمل الذكر باللسان، وصدق الإقرار بفضل الله وحمده في السَّراء والضَّراء، وفي الإنفاق والصّدقة من أفعال وغيرها، والحمد هو ذكر أهل الجنّة، فقد ورد الحمد على لسان أهل الجنة في عدة مواضع من القرآن الكريم منها: "وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [١١]، وقوله أيضًا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ". [١٢][١٣]
كيف يكون التحميد

يأتي التحميد والتهليل والتسبيح والتكبير معًا عادةً في أغلب الصياغات الواردة في الأثر، ويكون التحميد بصيغته العامة: "الحمد لله"، ويأتي أيضًا على صيغة: "الحمد لله رب العالمين"، و"ربنا ولك الحمد حمدًا طيّبًا مباركًا فيه"، و"الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا" وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: "مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". [١٤][١٥]
فضل التحميد

كما تمّ الإشارة إليه سابقًا، فإنّ التحميد والتهليل والتسبيح والتكبير مرتبطُ فضلهنّ ببعض في كثيرٍ من الأحاديث، منها ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه-، أنَّه -عليه الصلاة والسلام- قال: أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللّه تَعَالَى أَرْبَعٌ، سُبْحَانَ اللّه، وَالْحَمْدُ للَّه، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَاللّه أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ" [١٦]، وروي في صحيح مسلم أيضًا أنّ أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللّه، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَاللّه أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ" [١٧]، وقد ورد فضل وسنّة الحمد على أيّ حال، أي إن كان المسلم في سرَّاء حمد الله على فضله وجزيل كرمه، وإن كان في ضرّاء حمد الله على ما قدّر له موقنًا بأنّ الرضا والتسليم بقضاء الله لن يأتي إلا بالخير، سواء أكان على المستوى البعيد في الحياة الدنيا، أم في الآخرة من جزيل الثواب والحمد والصبر على ما قدّر الله.