مثلت اندفاعة الحوثي وإيران في اليمن، خطرا لا يمكن أن تتقبله القيادة السعودية التي كانت تتدارس خططا لحسم وضع سورية مع قطر وتركية لتفاجأ بالتطور اليمني. وقد بات واضحا لكل مراقب أنه لم يكن مرضيا عن السياسة السابقة للمملكة، وليس من برهان على هذا أكثر من إقالة خالد التويجري قبل دفن الملك الراحل، ليجسد التوجه الجديد سلسلة قرارات حاسمة مهمة تمثلت بدفع الملك لقوة شبابية لتتولى زمام الأمور الاستراتيجية، حيث أعيدت بسرعة العلاقات مع قطر وتركية.. ألخ مما بات معروفا لكل متابع للشأن السعودي.



وفي هذا السياق كانت السعودية قررت التشاور مع العديد من الدول في شأن العراق وسورية من منطلق ضرورة مواجهة سياسة التغول الإيرانية الجاريه في البلدين، وكان الموقف من اليمن يتجه إلى مساهمة سياسية مالية في الحوار اليمني، تؤدي لقيام نظام متوافق عليه بالصيغة التي يرتضيها شعب اليمن حسب الحل الخليجي، فإذا بالرئيس عبد ربه منصور هادي يقدم استقالته بعد هجوم للجماعة المسماة أنصار الله الحوثية على دار الرئاسة في 19 يناير.. كان من نتائجه الأولى شل قدرات الرئيس، حيث أصدر الحوثيون “إعلانا دستوريا” يوم 6 فبراير وحلوا البرلمان وقرروا تمكين لجنة ثورية بقيادة محمد علي الحوثي لقيادة البلاد بصفة مؤقتة.. وتضمن التحرك الصادم للمنطقة تشكيل مجلس من 551 عضوا ومجلسا رئاسيا من خمسة أعضاء بقيادة محمد الحوثي هذا وسارعت طهران للاعتراف به!وبحسب مصادر وثيقة الصلة طلب الأمير محمد بن نايف تقريرا مفصلا عن مجريات الأحداث كان ملخصه أن علي عبدالله صالح يلجأ لتحالف استراتيجي مع الإيرانيين، فقررت السعودية يوم 15 فبراير قيادة حملة دولية لسحب السفارات من اليمن متوقعة أن يسفر ذلك عن مراجعة صالح لخياراته دون جدوى.


وقد استجاب للخطوة السعودية كل الدول العربية تقريبا وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا وهولندا واليابان، لكن ذلك لم يؤد لأي تبدل بالموقف على الأرض وذهب موفد أمني سعودي للقاء نجل الرئيس السابق أحمد لكن نتيجة اللقاء كانت المماطلة.. قال أحمد علي عبدالله صالح للموفد السعودي بأن الحوثيين أقوياء وأنه لا يمكنه وقف تمددهم وأوحى بأن الرئيس (والده) خاضع لهم ومهدد بحياته، لكنه أكد للموفد السعودي أنه سيواصل العمل بإخلاص بما لا يؤدي لأي قلق لدى الأشقاء السعوديين.. وأنه سيبقى على اتصال حثيث مع الرياض.. وسأل الموفد السعودي عن وضع الرئيس هادي واستخلص بأنه معتقل لكن من دون تهديد لحياته.. هنا كانت الرياض بدأت تميل لصورة سوداء عما يجري، ومع ذلك واصلت ضغوطها السياسية وانتظرت إنجازا يحققه الموفد الدولي بضمان تراجع الانقلاب الحوثي والعودة للحوار لكن ذلك لم يحدث.


ويوم 21 فبراير جاءت الأخبار السارة من عدن مسقط رأس هادي التي وصلها وأعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد متراجعا عن استقالته التي كان وقعها مُرغما، وأكد في خطاب متلفز إلى الشعب بأنه يلتزم الخطة الانتقالية المقررة في 2012 بالانتقال للديمقراطية ووصف ما فعله الحوثي بالانقلاب.


أجرت القيادة السعودية مشاورات مع دول الخليج وقطر تحديدا أسفرت عن زيارة أمين عام مجلس التعاون عبداللطيف الزياني إلى عدن، ليعلن من هناك أن دول الخليج لا تعترف بغير الرئيس هادي وأنها تعتبر ما يجري في صنعاء أعمالا انقلابية وغير شرعية، لتتحرك دول الخليج في مجلس الأمن الدولي في اليوم التالي حيث أصدر قرارا في 26 فبراير وصف فيه هادي بالرئيس الشرعي.. داعيا الحوثيين للانخراط في المفاوضات بحسن نية لكن الحوثي رفض اقتراحا للموفد الدولي جمال بنعمر بنقل مكان المفاوضات إلى خارج صنعاء، وكدليل على سوء النية استمر اعتقال رئيس الوزراء خالد بحاح وأعضاء الحكومة والعشرات غيرهم وفرض الإقامة الجبرية على عدد كبير من المسؤولين.


واصل العالم الضغط على الانقلاب بدعم الشرعية بإرسال السفراء إلى عدن ووصل سفراء الخليج يوم 27 فبراير ولم يبق بصنعاء غير سفير طهران!.. لكن اليوم التالي 28 فبراير شهد رد طهران بشكل استفزازي معلنة توقيع اتفاق بتسيير رحلات مباشرة بين إيران واليمن بمعدل 28 رحلة أسبوعيا!وفور تلقي أنباء الاتفاق وردت معلومات استخبارية عن عمليات تفريغ لأسلحة إيرانية في ميناء الحديدة وكان هناك مفاجأة مدوية، وتأكدت الاستخبارات السعودية بأن الطرف الذي يتسلم الأسلحة لم يكن الحوثيين فقط ولكن عسكريون محسوبون على علي عبدالله صالح!هنا قررت القيادة السعودية أنه لا مناص من تدخل في المسألة وكان أول إجراء اتخذته إبلاغ الأميركيين بأن اليمن خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه.
وبالنظر لضرورة التشاور مع الأميركيين أجرى الملك سلمان مكالمة مع الرئيس باراك أورباما كان فيها شديد الوضوح عندما قال: “سيادة الرئيس هناك ظروف تخص العراق وسورية.. لكن اليمن لا”.. وبحسب المصادر كان كان الملك غاضبا لدرجة أن أوباما عمل على تلطيف المكالمة مبينا أن واشنطن مع أي خيار تقرره السعودية لكنه نبه لمسألة تنظيم (القاعدة).. فتحدث الملك بكل صراحة.. “المنطقة كلها يا فخامة الرئيس تتحدث عن سكوت من جانبكم على تجاوزات إيرانية لا تطاق ونحن في السعودية نقدر حرصكم على إنجاز الاتفاق النووي مع طهران لكن ذلك لا يبرر إطلاقا السكوت عن تجاوزات فظيعة بحق مصالحنا وأمننا”.


كان المستفاد من المحادثة أن السعودية اتخذت قرارا وأن واشنطن ستتفهمه وأنه يجب استكمال الجهود لحل سلمي ينهي حالة الانقلاب، لتدور الماكنة السعودية دون إبلاغ أية دولة أخرى، حيث تم إنجاز الخطط الخاصة بالتدخل خلال أسبوعين من محادثة الملك – أوباما.ومع أن التقدير الاستراتيجي بات على بينة من ضرورة التدخل لكن السعودية أبقت الخيار مفتوحا للحل السلمي وواصلت الاتصال مع نجل الرئيس ومع الرئيس السابق شخصيا لكن كان واضحا أن صالح سعيد بما يحدث.


وقد بنيت تصورات الحوثي وصالح بناء على تقديرات إيرانية بأن السعودية لن تفعل شيئا وستضطر لتقبل الأمر الواقع الذي يتم على الأرض، الذي تطور يوم 19 مارس لدرجة أنه تم تعليق الملاحة الجوية في مطار عدن بعد اشتباكات جرت فيه مع قوات محسوبة على الحوثيين بقيادة العميد عبد الحافظ السقاف، وويوم 22 مارس سيطر الحوثي مع قوات موالية لعلي عبدالله صالح على مطار مدينة تعز قبل ساعات من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، وانتشر نحو 400 مسلح حوثي بثياب عسكرية مع جنود تابعين لصالح في حرم مطار تعز ونقلت مروحيات تعزيزات عسكرية من صنعاء!كان من الواضح وجود رغبة لصالح والحوثيين بالتمدد لباقي المحافظات حيث تم تسيير دوريات في أحياء تعز ومنطقتي نقيل الإبل والراهدة إلى الجنوب، بينما لم تسفر جلسة مجلس الأمن الدولي يوم 22 مارس عن أي شيء يذكر حيث اكتفى جمال بنعمر بشكر السعودية ومجلس التعاون الخليجي!وفي الأيام التالية اجتاحت مظاهرات المدن اليمنية ضد الحوثي وصالح ليقوم الحوثي بقتل الناس بالشوارع دون رحمة أو أي رادع أخلاقي، وفي يوم 25 مارس سقطت قاعدة العند الجوية الاستراتيجية بمحافظة لحج جنوب البلاد بأيدي قوات الأمن الخاصة التابعة لصالح مع الحوثيين، وعندما وصل الأمر إلى محاولة اقتحام عدن اتصل الأمير محمد بن سلمان وقال له: أي اقراب من عدن يعني إهدار دمك ودم أبيك!لكن الهجوم استمر وتم تهديد حياة الرئيس هادي شخصيا بقصف قصره، مع توالي الأحداث لم يكن هناك مناص.. فاتخذ الملك قراره ببدء العمليا فورا ودون انتظار قمة شرم الشيخ حيث كان يتطلع لإجراء مشاورات سريعة على هامشها.. فبدأت الحرب.


لقد أسفرت الحرب في نتائجها الأولى عن غل يد طخهران في اليمن، بل إن الأنظار تتجه بإجماع إقليمي لوقف تدخلها في سورية والعراق، وها هو الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في اليوم التالي لبدء الحرب يطالب طهران “بسحب قواتها من اليمن وسوريا والعراق ووقف مشروع الهيمنة التي تزعج تركية ودول الخليج” حيث قال بصراحة إن “إيران تريد أن تجعل المنطقة تحت هيمنتها وسيطرتها ولا يمكن السماح لها بذلك.. وإن هذه التصرفات باتت تزعج العديد من الدول بينها السعودية ودول الخليج الأخرى، حيث السلوك الإيراني في المنطقة لا يمكن تحمله وعلى طهران أن تعي ذلك”.


بعد كل هذا لا بد من تبيان أن ما يحدث ليس حربا على اليمن بل حرب من أجل اليمن وشعبه، والسعودية ودول الخليج لم تخطط ضد صالح أو تخلت عنه منذ البداية، وينسجم هذا مع أهمية اليمن الاستراتيجية، فهو يمثل اليمن انشغالا دائما لدول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها السعودية، ورأينا كيف سارعت دول مجلس التعاون لوقف ما كان يمكن أن يتطور لحرب أهلية بعد الثورة اليمنية، فتم إنجاز ما ما سمي (الحل الخليجي) ووقعه كل اليمنيين وكان منهم من اعتبر أن دول الخليج عملت لصالح الرئيس السابق، وعندما أصيب (صالح).. كانت السعودية المنقذ لحياته حيث أجرى في الرياض سلسلة من العمليات المعقدة التي أنقذت حياته، بل وحافظت على شكله المعروف بعد أن تعرض وجهه للتمزق.

الحصيلة – يوسف علاونة