أعلن في مسجدنا عن إقامة مُحاضرة لأحد المشايخ المشهورين والمشهود لهم بالعلم، ولظرف خارج عن الإرادة، لم أحضرها، وحضر ابني - وكان عمره 14 سنة - وحين عدتُ إلى المنزل، استقبلني ابني، وكان مما قال: يا أبتِ، أنت تحدثنا كثيرًا عن الزهد والتقلل من الدنيا، وقد رأيت اليوم عجبًا! لقد حضرتُ محاضرةَ الشيخ،

وبعد أن خرج الشيخ خرجت معه فإذا بسيارته الفارهة (مرسيدس) آخر موديل، أليس هذا من الترف في الدنيا والبعد عن الزهد؟! اهـ.
نعم، قلَّةٌ هم مَن يجيدون التعبير الجميل والكلامَ المؤثر الذي يساهم في التغيير نحو الأفضل، لكن يبقى الأهم من القول، هو العمل، قد تستطيع إجادة التعبير بالتدريب، ولكنك لا تستطيع إجادة العمل إلا بالتوفيق.أظننا في زمن كثُر فيه الكلام،

ولكَ أن تتخيل كم كلمة تُقال يوميًّا، ومع هذا لا نلحظ التغير الإيجابي الكبير في مجتمعنا وأمتنا، بل ولا على أنفسنا أحيانًا، أهو بسبب كثرة الكلام الباطل وقلة الكلام الحق؟
قد يكون هذا سببًا، وثمَّةَ سببٌ آخر، وأظنه الأهم، هو فقد القدوات العملية التطبيقية، فعمل واحد أو تطبيق مرة يُغني عن الكثير من الكلام،

ولعل هذا أحد الأسرار في قوة تأثير النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقد كان حريصًا على التطبيق العملي بعد التأصيل النظري،
وهكذا كان القرآن يتابعه ويرشده، فهذه امرأةٌ سرقت في عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ الفتحِ، ففَزِع قومُها إلى أسامةَ بنِ زيدٍ يستشفعونه،


قال عروةُ: "فلما كلَّمه أسامةُ فيها، تلوَّن وجهُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أتكلِّمُني في حدٍّ من حدودِ اللهِ؟!))،

قال أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ اللهِ، فلما كان العشيُّ قام رسولُ اللهِ خطيبًا، فأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثم قال:

((أما بعد، فإنما أهلك الناسَ قبلَكم: أنَّهم كانوا إذا سَرَق فيهم الشَّريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ، لقطعتُ يدَها))، ثم أمر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بتلك المرأةِ فقُطعت يدُها، فحسُنت توبتُها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشةُ: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -"[1]، نعم، وحتى بنت محمد تُقطع يدها، فلا مجال للمحاباة، ولا مساومة في التطبيق العملي على الصَّغير والكبِير، والغني والفقير، والرفيع والوضيع.
وسار على الدَّرب نفسِه الصحابةُ الكرام، فقد جاء رجل إلى ابن عباس - رضي الله عنه

- فقال: "يا بن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أَوَبلغتَ ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله، فافعل،
قال: وما هن؟

قال: قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 44]، أحكمتَ هذه؟

قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3]، أحكمتَ هذه؟

قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب - عليه السلام -: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، أحكمتَ هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك"[2].

وثمَّةَ صورة قبيحةٌ ومنظر مخزٍ، ذكره رسولُنا حيث قال:
((يُجاء بالرَّجُل يومَ القيامةِ فيُلقى في النَّار، فتَندَلِق أقتَابُه في النار، فيدُور كما يَدور الحِمار برَحاه، فيجتمع أهلُ النار عليه، فيقولون: أيْ فلانُ، ما شأنُك؟ أليسَ كنتَ تأمرُنا بالمعروف وتَنهانا عن المُنكر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمعروف ولا آتِيه، وأنهاكُم عن المنكَر وآتِيه))[3].

حدثني مفتي أحد البلدان قال:
درَست في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنوات، وكنت أسمع عن بعض المشايخ والعلماء الذِّكرَ الحسَن،

وبعد أن تخرَّجت عُيِّنت مفتيًا في بلدي، فأصبحتُ أزور المملكة بصفتي الرسمية، وكنت حريصًا على مقابلة أحد العلماء؛ لمكانته في نفسي أثناء الدراسة، وفعلًا جاءت الفُرصة، وتم تحديد اليوم الذي سأزور فيه الشيخ في بيته.

ذهبتُ إلى البيت وصُعقت، فقد كان قصرًا وأيّ قَصرٍ، ثم دَخلت من البوابةِ وانطلقنا بالسيارة وليس سيرًا على الأقدام لكي نصل إلى مدخل المنزل، فلا تسألني عن شعوري أثناء حركة السيارة حتى وصلنا إلى باب المنزل حيث كان الشيخ بانتظارنا، فرحَّب وهلَّل وأكرمَنا كثيرًا، ثم ودَّعنا وخرَجنا كما دخلنا، وأنا في عجب واستغراب، ولا أكتمك سرًّا، فقد أثر فيَّ هذا الموقفُ كثيرًا، ولكن في الجانب السلبي،

فقد رأيتُ بيوتَ وقصورَ الوزراء عندنا وحرصهم وتكالُبَهم على الدنيا، لكن ما رأيتُه من الشيخ أكبر من قصورنا وبيوتنا، وأرجو ألا يكون الشيخ أحرص منهم على الدنيا! انتهت القصة.
اتخاذ القصور الفاخرة، واقتناء السيارات الثمينة، وغيرها من مظاهر الدنيا

- ليس حرامًا إذا كان من مالٍ حلال، ولكنا نبحث عن منزلة أعلى، منزلة يطمح الناس أن يروها واقعًا أمام أعينهم، منزلة من يترك الدنيا ويعيش للآخرة، فحين نسمع عن الورع نأمل أن نراه، وحين نسمع عن البذل السخي نأمل أن ننظر إليه،

وحين نسمع عن التضحية نأمل أن نشاهدها، إن أمتنا بحاجة ماسَّة وكبيرة إلى قدوات عملية أكثر من حاجتها إلى قدوات كلاميّة.
إني على يقين أن هناك من يعلم ويعمل ويطبق، لكنهم لا يزالون قلَّةً، نحتاج إلى مَن يرفعهم ليشاهدَهم الآخرون، وليعلم الجميع أن هذه الأمة لا يزال فيها الخيرُ، ولن ينقطعَ طالما وُجد القرآن الكريم:

قُل لِمَن يَحسبُ أنَّا أُمَّة
أَنكرَتْ أَمجادَ سَعد والوَليد

نَحن شَعبٌ لمَ يَعُدْ يَخشى الرَّدَى
أو يُبالي بِرَصاصٍ وحَديد

كُلَّما أُطفِئَ مِنَّا قَبَس
أَشرق القُرآن بالفَجر الجديد[4]

كَفى لَوْمًا على الآخَرين (العُلماء والدُّعاة وغيرهم)، كَفى تَلبيسًا على النَّفس لتبرئتها من المسؤوليَّة، وليُصارح كلٌّ مِنَّا نفسَه، لماذا لا أكونُ أنا القدوة؟

أهو استغناء عن الأجر؟!
وأظنك مُستعدًّا لِتبدأَ فتكون أَنت القُدوة، فلا تَترد، استعن بالله، وستصل - بإذن الله -: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منقول