النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الخَمر الشغف الجاهلي وما قيل فية

  1. #1
    منتديات كلمات مضيئة
    الصورة الرمزية الأدهم
    تاريخ التسجيل
    17 / 04 / 2009
    المشاركات
    3,831
    مقالات المدونة
    4
    معدل تقييم المستوى
    526

    افتراضي الخَمر الشغف الجاهلي وما قيل فية

    الخمر في الجاهلية

    غالبية الحضارات وشعوب الأرض عرفت الخَمر، السائل متعدد الأنواع والصفات، الذي حاربه وحرّمه البعض في حين تقبله البعض الآخر، ورفعوه إلى مصاف الآلهة. وهذه حال العرب، إذ عرفوه قبل الإسلام، بأنواع مختلفة، وصنعوه من العنب والتمر (نبيذ التمر يسمّى الكُسيس) والشعير والزبيب والذرة، وكان امتلاكه مفاخرة وجاهاً، وشربه دليلاً على الغنى وعلو المكانة.



    كما أن العرب استوردوا الخمر من خارج الجزيرة، وهذا ما يتضح من معلقة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في قوله :"ألا هبّي بصحنك فاصبحينا/ ولا تبقي خمور الأندرينا". وأندرين هي مدينة في الشمال السوري عرفت بكرومها وطيب خمرها، ما جعلها مصدراً لشبه جزيرة العرب، كما عرفوا الخمر من بصرى الشام من (بيت رأس) إحدى قرى أربد في الأردن، وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان.





    أصلُها



    إلا أن تاريخ الخمر وصناعتها في الجاهليّة يعود إلى بعض الأساطير والحكايات، التي كانت تتداول بين العرب، فذُكر في "حلبة الكميت" لشمس الدين بن محمد المتوفي عام 859هـ في الباب الثاني أن "أول من عصرها أبليس لقابيل وأولاده"، كما ذكر الدميري في كتابه "حياة الحيوان الكبرى": حُكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاووساً، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قرداً فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسداً فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيراً فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاووس فإذا جاءت مبادي السُكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عراقوته".



    انتشارها في الجاهليّة


    كان انتشار الخمر في الجاهلية لا يثير الكثير من التحريمات، إذ عُرفت الخمّارات وجلسات الشرب. إلا أن الروايات الإسلامية تستثني بعض الشخصيات ذات المكانة، بوصفهم امتنعوا عن الخمر حتى قبل الإسلام، ومنهم "عبد المطلب بن هاشم، وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس المقتول ببدر، وعثمان بن عفان، وورقة بن نوفل، وقيس بن عاصم السعدي، وعبد الله بن جدعان". ويقال إن أول من حرم الخمر في الجاهلية هو الوليد بن المغيرة والد الصحابي والفارس خالد بن الوليد.



    وعلى النقيض، عَرف الشعراء في الجاهلية الخمر وافتتحوا به قصائدهم، لكن لم يكن له حضور مستقل كغرض شعري، على غرار المدح والهجاء، إلا أنه بقي محطّاً للوصف، فالشاعر الجاهلي المنخل اليشكري وغيره تغنوا بها، كما حضرت في معلقة عنترة بن شداد، إذ يرى نفسه حتى في شرب الخمرة شجاعاً مقداماً فيقول:
    ولقد شربت من المُدَامة بعدمـا... ركد الهواجر بالمشوف المُعْلَـمِ
    بزجاجـة صفراء ذات أسـرّة... قُرِنت بأزهر في الشَمال مُقـدم
    فإِذا شـربت فإنني مستهلـك... مالـي وعرضي وافر لم يُكلَـمِ
    وإِذا صحوت فما أقصر عن ندى... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمـي


    أما من اشتهر بينهم بشرب الخمر وجعله محور حياته وذاع صيته لذلك، هو الشاعر الأعشى الأكبر، الذي لم يدخل الإسلام لأنه حرّم الخمر، وبقي على جاهليته. وهو يمثّل الشاعر معاقر الخمرة في العصر الجاهلي، والصيت الذي ذاع حوله مرتبطٌ بمعلقته التي تغنى في مقاطع منها بالخمر كقوله:
    وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني... شاوٍ مشلٌ شلولٌ شلشلٌ شول
    في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا... أن هالكٌ كل من يحفى وينتعل
    نازعتهم قضب الريحان متكئأً... وقهوةً مزةً راووقها خضل
    لا يستفيقون منها وهي راهنةٌ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا
    يسعى بها ذو زجاجاتٍ له نطفٌ... مقلصٌ أسفل السربال معتمل
    ومستجيبٌ تخال الصنج يسمعه... إذا ترجع فيه القينة الفضل
    والساحبات ذيول الخز آونةً... والرافلات على أعجازها العجل
    من كل ذلك يومٌ قد لهوت به... وفي التجارب طول اللهو والغزل



    الانقلاب الإسلامي واحتكار اللّذة


    ظهرت الدعوة المحمّدية، وانتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربيّة، ما شكل انقلاباً اجتماعياً وسياسياً، وظهر التحريم وفق النص، الذي تدرج ثم انتهى بتحريم الخمر تحريماً قطعياً. بالرغم من بقاء عادة شرب الخمر لدى البعض، إلا أن الكثير من الشواهد والقصص تتناقض حول من كانوا يشربون الخمر، إضافة إلى مدى دقة تطبيق الحد أو التعزير عليهم، حد شارب الخمر هو الجلد، لكن هناك اختلافاً بعدد الجلدات، بوصف شرب الخمر من الكبائر.
    عرف العرب الخمر قبل الإسلام بأنواع مختلفة، وكان امتلاكه مفاخرة وجاهاً، وشربه دليلاً على الغنى وعلو المكانة


    إلى جانب ذلك قدم الإسلام مفهوم الحرمان من "الخمر المقدس" بوصفه عقاباً لشارب الخمر في الدنيا، على حد تعبير النبي محمد: "ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة". إلا أن الإسلام قدّم رؤية مختلفة، إذ لم ينفِ اللذة التي يحويها الخمر، بل حوّلها إلى متعة إلهية، يحصل عليها أهل الجنة حين يدخلونها، لتبقى المتعة حصراً بالعالم الآخر. إذ يقول النص القرآني "مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم".



    الخمر الإلهي


    فخمر الجنة لا يشبه خمر الدنيا، هو لا يُسكر، أي لا يذهب العقل، كما ذُكر في القرآن الكريم أيضاً "يطاف عليهم بكأس من معين، بيضاء لذة للشاربينَ، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفونَ"، كذلك "يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيمٌ". هذه الصفات التي يذكرها النص القرآني، ترتبط بمعنى كلمة الخمر بوصفها تحجب العقل كالخِمار، فالجنة خمرها أبيض ولا يسكر شاربها، ولا تؤدي إلى آلام مختلفة في الجسد، كذلك لا يدخل شاربها في متاهات اللغو والأحاديث الناتجة عن السكر.
    على أن منطق الخمر الإلهي قائم على لذة صافية، لا تداخلها "التبعات" أو النتائج الدنيويّة المرتبطة بالخصائص البشريّة من جهة، والخصائص الطبيعية للخمر من جهة أخرى، لنقف أمام جوهر جديد للخمر، فهي لا تشابه ما نشربه الآن، ولا ما كانوا يشربونه. هذا الانقلاب في الصفات الجوهرية الطبيعية للخمر يفترضه النص القرآني، من دون أن يكون مرجعية لهذه الصفات الجديدة سوى المقدس. فخمر الدنيا يشابه خمر الآخرة بالاسم لا بالصفات، وما قدمه النص القرآني، كان نقلة على صعيد اللذة التي يقدمها الخمر، إذ تحولت إلى "خمرة إلهية" فائقة اللذة من دون سلبيات متعلقة بها.






    ألف كلمة وكلمة في وصف الخمر


    إن تجربة كتابة المعجم تعني تأصيلاً للظاهرة، أو ما يرتبط بها من نصوص، فالمعجم هو المرجع الأول في التفسير والبيان، وعنده تتداخل المعاني وتتم أرشفتها وفق سلطة الأصل نفسه. وتعتبر تجربة الخمر في الثقافة العربيّة من التجارب التي لا يمكن تجاوز حضورها، ما جعل العديدين يلجؤون إلى تأليف معاجم مرتبطة بها رغبة في التأًصيل، وبناء مرجعية للمعنى والمجاز الذي يحمله الخمر، وما تختزنه من طاقة شعريّة وجمالية وروحيّة. كذلك الإحاطة بألفاظها ومعانيها.
    من أشهر هذه المعاجم "أسماء الخمر" لأبي سعيد عبد الملك الأصمعي، و"كتاب أسماء الخمر وعصيرها" لمحمد بن الحسن بن رمضان، و"تنبيه البصائر في أسماء أم الكبائر" لأبي الخطاب عمر بن حسين بن علي الكوفي، و"الجليس الأنيس في أسماء الخندريس" للفيروزابادي. ويلاحظ من أسماء المعاجم السابقة الموقف المرتبط بالخمر بوصفها أم الكبائر، أو بوصفها جليساً وأنيساً، ليبدو التفاوت في موقف التدوين في ما يتعلق بظاهرة الخمر. في ما يلي بعض الجوانب التي ذكرتها المعاجم في أحوال الخمر وأسمائها و مجالسها.


    طبائع الخمر


    تعددت أسماء الخمر، وهي إما بحسب ألوانها أو تأثيرها أو صفاتها، أو طرق تحضيرها. وتعداد أسمائها والشواهد المرتبطة بها صعب الحصر. وقد حاول الفيروز آبادي في معجمه ذلك، إذ تحضر شواهد الأسماء من الشعر المتأخر أو المتقدم، ومن أسمائها حسب اللون "الصهباء" ( اللون الأَصفر الضارب إلى شيءٍ من الحمرة والبياض)، و"الكميت" (لما فيها من سوادٍ وحمرة)، و"المشعشعة" (ما خالطها الضوء إثر مزجها بالماء)، و"الصافية" (غير المخلوطة). أما حسب طعمها فـ"أرقها الصهبا، وأعذبها الحميّا، وألطفها السلاف، وأخفها المٌدام، وأظرفها القهوة، تُقهِي أي تُكْرِه الطعام أو تُقْعِدْ عنه، وأقبحها القرقف وأفضلها الراح".
    أقوال جاهزة
    شارك غردالصهباء، المشعشعة، الصافية… عيّنة من تسميات الخمرة في التراث العربي شارك غردالخمر: معجم اللّذات المبتكرة


    وهذه الأسماء تتغير معانيها لتحيل للأحوال أو أسماء الأشياء، فكل اسم مشتق إما من السياق أو الصفة التي تعطيها الخمر. إذ إن مفهوم التسميّة، مرتبط بالتجربة الشعريّة، بموازاة الآلية الطبيعية للتسمية والمرتبطة بمراحل التحضير أو اللون. فالشعر أغنى معجم الخمر في اللغة العربيّة، لنقف أمام ألفاظ انحرفت معانيها عن المعاني الأصلية، فتكون التجربة الشخصية للشاعر هي ما يشكل أساس المعجم ومادته الخام قبل تدوين المعجم، بوصف قول الشاعر مرجعية وجود هذا اللفظ.
    ونورد قول البحتري هنا:
    شرب على زهر الرياض يشوبه... زهر الخدود وزهرة الصهباء
    من قهوة تنسى الهموم وتبعث الـ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء
    يخفى الزجاجة لونها فكأنها... في الكف قائمة بغير إناء
    ولها نسيم كالرياض تنفست... في أوجه الأرواح والأنداء



    طبائع الندماء


    شرب الخمر، يتجاوز كونه متعة ذاتية، ليكون متعة أشد احتفاليةً بوجود الآخرين، أو الندماء. وقد كثرت المؤلفات في آداب المنادمة وشرب الخمر، فالنديم تأتي من "الندامة، أو من الندم إما لأنه يندم على مفارقته لوجود الراحة والأنس، أو لأنه يندم على ما يتكلم به في حال سكره". وقد تفنن العرب بالمنادمة وآدابها، وقيل فيها حسب ابن المعتز الحق: "قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، والمجاملة في الشراب، والتغافل عن رد الجواب، وإدمان الرضا، وإطراح ما مضى، واستعمال ما حضر، و إحضار ما تيسّر، وستر العيب وترك العتب والطرب بلا هرج ولا صياح، و ترك الافتخار بالحب و النسب..."
    الإحاطة بهذه الآداب تستدعي الممارسة، والتأليف في هذا المجال يؤكد على أهميتها، وأهمية النديم، رفيق الكأس وحضوره في المجلس، بوصف الخمر لا تحلو إلا بحضور الآخر، لأنها تفتح القلب على الحديث، وهنا نذكر بعض ما قيل في الندماء:
    قلت والراح في أكف الندامى... كنجوم تلوح في أبراج
    أمداماً خرطتم لمدام... أم زجاجاً سبكتم لزجاج
    كذلك قول ديك الجن الحمصي:
    فقام تكاد الكأس تخضب كفه... وتحسبه من وجنتيه استعارها
    مشعشعة من كف ظبي كأنما... تناولها من خده فأدارها
    فظلنا بأيدينا نتعتع روحها... وتأخذ من أقدامنا الراح ثأرها



    طبائع السقاة


    يعتبر دور الساقي على أهمية مشابهة لتلك التي يمتلكها النديم، بوصفه "بديع الجمال، زائد في الصرف والدلال، يفوق ببديع محاسنه الأتراب، ويدهش بلطف شمائله عقول أولي الألباب". ومن آدابه "أن يستأذن جلساءه وندماءه في المزج أو عدمه، فمنهم من لا تناسبه الراح إلا صرفاً..." وغيرها من الصفات. لتكون مكانة الساقي محفوظة، ولطالما كان محطّ قول الشعراء والندماء، ويفرد له في القلب مكانة تقارب مكانة المعشوق أحياناً كقول أبي نواس:
    جنان حصلت قلبي... فما أن فيه من باق ِ
    لها الثلثان من قلبي... وثلثا ثلثه الباقي وثلثا ثلث ما يبقى... وثلث الثلث للساقي
    فتبقى أْسهم ٌ ست ٌ... تُجزأ بين عشاق ِ

    أو كقول العسكري:
    ذاب في الكأس عقيق فجرى... وطفا الدر عليه فسبح
    نصب الساقي على أقداحها... شبك الفضة تصطاد الفرح


    طبائع الأدنان (الكؤوس)


    تفنن العرب في أسماء الكؤوس والأباريق والأدنان، وأنواعها وصفاتها، وأيها أكثر جمالاً وتأثيراً على الشراب. فقيل: "إذا كان ملآنَ يسمّى كأساً، وإذا كان فارغاً يسمّى قدحاً، ويسمّى الجام أيضاً"، "كما عرف تفضيل الزجاج على الذهب والفضة، لأن الزجاج شفاف، وبالإمكان أن ترى الشراب فيه، وهنا اشتهر قول الصاحب بن عباد:
    رقت الكاس ورقت الخمر... وتشابها وتشاكل الأمر
    فكأنما الخمر في كأسٌ... وكأنما الكأسُ خمرُ
    كذلك قول التنوخي:
    وراح من الشمس مخلوقة... بدت في قدح من نهار
    هواء ولكنه ساكن... وماء ولكنه غير جاري
    إذا ما تأملته وهي فيه... تأملت ماء محيطاً بنار
    إن الإحاطة بطقوس الخمر وتحولاته تحتاج إلى دراسات هائلة، فالأمر يمتد ليشمل الأغاني والأهازيج والأشعار، ووصف المجالس وزينتها وحليّها، لنرى أنفسنا أمام ظاهرة في التراث العربي تستحق الكثير من التفرغ لدراستها، لتراوحها بين ما هو مقدس وديني وبين ما هو حياتي ومحرّم.





    الخَمر: الحقيقة الشعريّة وما وراء المقدّس


    يتجاوز الخمر في الثقافة العربية دوره كسائل ذي متعة مادية وروحيّة، إذ إن التراث العربي شعراً وأدباً، يزخر بالخمر وأحواله، بعدما تنوعت حالات حضوره شعرياً. فهو إما جزء من المطالع، أو وصف هدفه المفاخرة والجاه، أو وصف لأحواله وأحوال شاربه. ليتحول لاحقاً إلى حقيقة شعريّة، تحمل خصائص مرتبطة بالخمر كمشروب له قدرة تتجاوز تلك المحسوسة أو الاعتياديّة (أي الخصائص الطبيعيّة)، ليكون الفاعل والمؤثر عوضاً عن الفعل البشري أو الإلهي. وكأنه محرّك للكون متجاوزاً سلطة المقدس والتحريم المرتبط به. هذه المفاهيم المتربطة بحقيقة الخمر الجديدة، مرتبطة بالشعر وفي ما يلي بعضها.



    الآخرة، بَعث جديد (أبو محجن الثقفي - أبو الهندي)


    يتعامل التراث الإسلامي مع أبي محجن الثقفي بوصفه الفارس المسلم، الذي ترك الخمر وشارك في الجهاد، في معركة القادسيّة. وتروى قصته كعبرة لمن يأخذ الخمر لبّه ويلهيه عن الشهادة. لكن هالة التقديس والاختلافات حوله تجعل الروايات متضاربة. إنما المعروف أن عمر بن الخطاب جلده لمعاقرته الخمر، لكن أبا محجن يثبت في شعره مقاربة جديدة للخمر، فقبل حادثة القادسيّة الشهيرة، يقول إن نهايته مرتبطة بالخمر، لا كشراب فقط بل كتماه معه، ليعود بصفاته مخالفاً للنهاية التي يفترضها النص المقدس (الآخرة، جنة/ نار)، فيقول:
    أقوال جاهزة
    التراث العربي شعراً وأدباً يزخر بالخمر وأحواله

    أجمل ما قاله الشعر العربي بالخمر


    إذا مت فادفني إلى جنب كرمة .. تروى عظامي بعد موتي عروقها
    ولا تدفنني بالفلاة فإنني... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
    إلى جانب الثقفي نرى أبا الهندي، الذي أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ويراه البعض أول من قال الشعر في الخمر في الدولة الإسلامية، بوصف الخمر مقصده الوحيد. وكأبي محجن، رأى أبو الهندي أن نهايته مرتبطة بالخمر وطقوسه، إذ إن الصبيان كانوا يأتون لقبره للشرب تيمناً بقوله المكتوب على قبره:
    اجعلوا إن متّ يوماً كفني... ورق الكرم وقبري معصره
    وادفنوني وادفنوا الراح معي... واجعلوا الأقداح حول المقبرة
    إنَّني أَرجو من الله غداً... بعد شرب الراح حسن المغفره
    لكن الاختلاف يكمن في أن أبا الهندي ما زال يطمح بالآخرة إلى النهاية الموعودة في النص المقدس.



    الخمر خزّان الذاكرة (ديك الجن الحمصي)

    تعتبر قصة ديك الجن الحمصي، الشاعر العباسي، من المآسي التي لا يمكن تجاهلها في التاريخ الإسلامي. فديك الجن، الشاعر والعاشق ابتلي بالغيرة، وأدى به الأمر إلى قتل زوجته ورد، وغلامه بكر لاشتباهه بأنهما عل علاقة سريّة. إلا أن الخمر يحضر هنا بوصفه حاضناً للذاكرة، إذ عمد ديك الجنّ بعد دفنهما إلى قبرهما، وأخذ حفنة من تراب قبر ورد وحفنة من تراب قبر بكر، وصنع بهما قدحين، لترتبط الخمرة لديه بالمأساة، متحولةً إلى لذة ترتبط بتعذيب الذات والذاكرة، وكان في مجالسه يردد هذه الأبيات التي ارتجلها فوق قبري ورد وبكر:
    يا سيف إن ترم الزمان بغدره... فلأنت أبدلت الوصال بهجـره
    قمر أنا استخرجته من دجنـة... لبليتي وزففتـه مـن خـدره
    فقتلتـه ولـه علـى كرامـة... ملء الحشا وله الفؤاد بأسـره
    عهدي به ميتاً كأحسـن نائـمٍ... والحزن ينحر مقلتي في نحره
    لو كان يدري الميْتُ ماذا بعده... بالحيّ حلّ بكى له في قبـره
    غصص تكاد تفيض منها نفسه... وتكاد تخرج قلبه من صـدره
    هذه الثلاثية (خمر، مأساة، ذاكرة) جعلت ديك الجن يحوّل الخمر من لذة ماديّة وروحية، إلى مأساة، فإلى محفّز يحرك التراجيديا بوصفه يختزن المأساة، ويعيد إنتاجها في جلسات الإنس وفي الشعر.



    الخمر وما وراء المقدس (أبو نواس)

    الحديث عن أبي نواس لا يمكن الإحاطة به، إذ يعتبر هذا الشاعر من المجددين في الشعر، خصوصاً في علاقته مع الخمر. تجربته الشعريّة مع الخمر تتجاوز المحسوس، لتدخل ضمن جوهر الخمر، بوصفه فاعلاً ينتشر في الكون ويعيد تركيب علاقاته، فتكتسب الخمرة معه قوة جديدة توازي قوة الخلق، وتضفي القدسية على الأشياء وتعيد تكوين صلة جديدة بين المحسوس واللامحسوس، وبين المرئي واللامرئي. بذلك يكون السُكر موقفاً من العالم والكون والغيب، لا حالة ظاهرية فقط، لنراه يتحدى فيها المقدس والنص المرتبط به، ويمكن أن نتلمس ذلك في الكثير من شعره كقوله:

    ألا فاسقني خمراً، وقل لي: هي الخمر... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
    فما العيش إلاّ سكرة بعد سكرة... فإن طال هذا عنده قـصــر الـدهــر
    وما الغبن إلاّ أن تـراني صـاحـيا... وما الغنـم إلا أن يتـعـتعني الســكْر
    فَبُح باسم من تهوى، ودعني من الكنى... فلا خير في اللذّات من دونها ستْر
    ولا خير في فتك بدون مجانــة... ولا في مجونٍ ليس يتبعه كفر

    يمكن اعتبار أن هذا الانقلاب الذي شهده الشعر عبر الانزياح عن الجوهر المقدس الإسلامي بوصفه الحقيقة وإعادة تقديم رؤية مختلفة للكون، مرتبط بالعصر الأموي ثم العباسي. إذ تعرّف العرب على ثقافات جديدة، وانتقلوا من حياة البادية إلى حياة الدعة والاسترخاء، فلم يعد الشعر فقط مديحاً وهجاءً بل تغيرت أغراضه، وأصبح لحضور الخمر وشعرائه سطوة وحظوة لدى الخلفاء، كالمأمون. أما حضور الخمر ضمن النص الشعري، فجعله ذا قيمتين جديدتين، غرض شعري من جهة، وحقيقة كونية من جهة أخرى، إذ تراجعت مفاهيم "الخمر المقدس"، لتكون الملذات الدنيوية هي المسيطرة، وكأن الأنهار التي وعد بها الله المسلمين في الجنة، شاهدها العرب حين وصلوا إلى الشام ومصر، لأن الخمر أصبح حاضراً الآن وهنا، وكما يقول أبو نواس:
    دع المساجد للــعباد تسكنها... وطف بنا حول خمار ليسقينا
    ما قال ربك ويل للذين سكروا... ولكن قال ويل للمـصلينا




المواضيع المتشابهه

  1. الشعر الجاهلي ، نبذه عن الشعر الجاهلي
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى الشعر والشعراء
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10 / 12 / 2013, 23 : 03 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283