علي بن حسن التواتي

يبدو أن شهوة التصريحات لدى مسؤولي وزارة الإسكان تفوق بكثير مستوى إنجازاتها. فمنذ إنشائها وحتى هذا اليوم هي في حالة مربكة من الدوران حول نفسها في أي أمر من أمورها صغيرا كان أو كبيرا.
تحدث مسؤولوها عن قروض صندوق التنمية العقارية وإمكانية الخروج من طوابير الانتظار الطويلة بما أسموه القرض المعجل،
وهذا يعني أن المواطن الذي لديه قدرة مالية أكثر من غيره يمكن أن ينبري من بين الصفوف ويتقدم الجميع في الحصول على قرض، ثم عممت الوزارة بأن من يريد الحصول على قرض دون أن تكون لديه أرض يمكنه أن يدخل على موقعها في الشبكة ويسجل اسمه ليحصل على قرض بأولوية التقديم. تلا ذلك مسألة أرض وقرض بحيث يحاسب من حصل على منحة أرض قبل خمسين سنة، ولم يتمكن من بنائها أو اضطر لبيعها لعدم صلاحيتها للبناء،
بحرمانه من الحصول على قرض الإسكان أو الإسكان العيني.
ثم بدأ الحديث عن آليات وأولويات معقدة لزرع اليأس في النفوس وتحويل حلم الحصول على مسكن بمساعدة الدولة إلى كابوس مزعج يصعب على المواطن البسيط فهمه ناهيك عن الاستفادة منه.

وبعد تدخل مجلس الشورى وتوجيهه للوزارة بضرورة اعتماد وإعلان أولويات وآليات واضحة ومحددة لتوزيع الوحدات التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين والقروض التي تقدمها الدولة للإسكان تتعالى اليوم التصريحات بشأن «ستة معايير تحدد آلية استحقاق السعوديين للسكن».
وهذا العنوان في حدّ ذاته لا يبشر بخير لأنه يخلط بين المعايير والآلية بل وينبئ بأن الخطة الاستراتيجية للإسكان التي يلمح لها الوزير من حين لآخر لا تزيد عن كونها عبارات رنانة على نفس المنوال.

فالمعايير لتحديد الأولوية وليست لتحديد الآلية.
والمعايير نوعان موضوعية، وذاتية.
والمعايير الموضوعية هي التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان مثل معيار أقدمية تقديم الطلب التي اعتمدت في تقديم قروض صندوق التنمية العقارية منذ إنشائه حتى هذا اليوم. وهو معيار موضوعي أكده الملك خالد ــ يرحمه الله ــ حينما أمر بتسليم سيدة عجوز تخطى عمرها التسعين قرضها عند حلول دورها في الحصول عليه بصرف النظر عن عمرها أو من سيستفيد من القرض باعتبار أنها لن تعيش طويلا في الظروف العادية.

أما المعايير الذاتية فهي مثل التي يتم تسريب جوانب منها هذه الأيام من بعض مسؤولي وزارة الإسكان والتي تتدخل العاطفة كثيرا في اختياراتها فهناك كبار السن (المساكين) وأبو العيال (يا حوينه) والمعوق (الله يرفع عنه ولا يبلانا) والأرملة أم الأيتام والمطلقة (الضعيفة).. وهكذا.


ويمكن بالتالي بموجب مثل هذه المعايير الذاتية التعامل مع النقاط اللازمة بذاتية وعواطف جياشة فنمنح من نحبه أو نحزن عليه ونمنع من لا نرغب في منحه عن طريق زيادة النقاط وتقليلها كما يحدث حاليا في كافة تقديمات الحكومة التي يتولاها أشخاص يقررون ويمنعون بموجب نقاط.


أما الآلية أو الميكانيكية فليست بحاجة لمعايير لتحديدها غير البساطة والوضوح والشفافية والتتابعية. فالآلية مجموعة من الخطوات تبدأ بألف وتنتهي بياء وما على مستحق أي أمر من الأمور سوى اتباعها خطوة خطوة للحصول على استحقاقهم فهي أشبه ما تكون بخطوات تشغيل السيارة التي يعرفها كل الرجال وبعض النساء في بلادنا.


ولذلك أرى من واجبي أن أطرح رؤيتي لما يجب أن يكون في مسألة الإسكان وأولوياته لتبسيط المسألة وتفكيك المعقد وضمان العدالة الاجتماعية التي يسعى ولاة الأمر لتحقيقها من خلال برامج الإسكان المتعددة واعتماداتها التي لم تنعكس إيجابا على المواطن حتى هذه اللحظة بسبب العجز الواضح للوزارة المسؤولة.


1. يجب أولاً حصر المتقدمين لكل برنامج من برامج الإسكان، قروض صندوق، قرض وأرض، مسكن جاهز، وغيرها.

2. يتم تصنيفهم إلى فئات منها: في قوائم الانتظار، كبار سن، معوقين، أرامل، مطلقات، أسر ناشئة.
3. لنقل أننا وجدنا أن النسب كالتالي: 50 %، 10 %، 5 %، 5 %، 10 %، 20 %.
4. نعتمد في آلية التقديم أو الاستحقاق على نظام المسارات وهي ستة في هذا المثال.
5. ننظر في تقديمات البرنامج فإن كان قرضاً نوزع ميزانية صندوق التنمية العقارية إلى ست بنود نرصد في كل بند منها النسبة المساوية لحجم الطلبات في المسار المستهدف، وتمنع المناقلة بين هذه البنود ليتضح لنا أين العجز والمسارات الأكثر طلبا ويمكن تعزيز الميزانيات بناء عليه. كما يمكن إتاحة الفرصة للمحسنين من القطاع الخاص في توفير المخصصات على سبيل المنحة في المستحقة بحسب أولوياتها.


وأهم معيار هنا هو عدم المفاضلة لا بنقاط ولا بغيره داخل المسار الواحد فالمعوق معوق بصرف النظر عن حجم إعاقته فمن فقد يداً أو عينا أو أي حاسة أخرى هو في الواقع يعاني مثلما يعاني ذو الإعاقة الكاملة بل إن الأخير قد يجد من يعينه من مؤسسات الدولة والأفراد أما الأول فغالبا ما يعتمد على نفسه. وهذا ينطبق على كافة المسارات الأخرى فالأولوية في المسار يجب أن تعتمد على أولوية التقديم سواء لقرض أو أرض أو مسكن عيني بحسب مساره وعدم اللجوء إلى متطلبات ومعايير ذاتية معقدة توضع في يد من يمنحون ويمنعون، فخير بلادنا كثير ولله الحمد فلا تقّلوا بركته..