السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعضاء وزوار منتديات كلمات مضيئة
أقدم لكم اليوم


عبث الايام

الذكريات ... ذلك الماضي الشهيد يبدو كالحلم تقرب لتلمسه فيبدو كالسراب، ذلك الواقع على أرض الخيال فيبدو كالخيال على أرض الواقع غالباً ، الماضي يحتوي المدبر والمقبل من الأيام , ذلك المدى المطلق العنان ، تلك الدموع التي جفت والضحكات التي سكنت والبسمات التي تلاشت والأحلام التي تحطمت أو تحققت أو الواقع الذي كان حلماً ، والصباح الذي جناه الليل والشروق الذي أدبره الغروب والغروب الذي جلاه الشروق والأرض التي نهشها الجفاف ، البلدة الميتة التي أحياها الغيث وأماتها الغيث . الماضي ... تلك الغيوم المتبددة والأحلام المتجددة ، الوردة التي ذبلت ، الطفولة التي هربت والشباب الذي سلك درب الهروب نفسه وانتهى المضي به في أحضان الظلمات ، العمر الذي أدبر ، الحب الذي مات دون أن يحيى . الماضي .. أشياء مشتتة يمكن البحث عنها تواً دون العثور عليها كما كانت وسراب السعادة التي كشفت الغطاء عنها في آخر العمر . الماضي هو التاريخ والأساطير ، الروح المجردة من الجسد والنفس المنعزلة دون أنيس أو رفيق ، تلك الأقلام التي رفعت والصحف التي جفت كالحياة فحسب
القادم .. هو ذلك المجهول المعلوم و المحتوم قبلاً ، ذلك السكون القادم إلى الحركة أو قادمة إليه الحركة نقيض الماضي تماماً ، الحركة التي قدمت إلى السكون
والحاضر ... هو ذلك العمر الذي لا يمكث إلا أدنى من ثانية فأقل فيولي فاراً إلى أرض بور بلا آفاق .. معالمها غالباً باهتة وأصوات أشياؤها خافتة ، هارباً بلا عودة .. دون عودة مطلقاً
أمس ... اليوم ... غداً ، وغالباً ما نقول اليوم لأننا لا نجد ملموساً غيره , فهاأنا أقف على معالم المدينة التي بدت صورة بعيدة غير مجسمة مجرد أشجار وجبال أصوّرها في عقلي ثم أراها . أعبّر عن الماضي والحاضر والقادم الذي هو ماضي دون شك , أراها بعيداً وتراني قبل أن يتضح لنا جسد المدينة ونحن في طريقنا إليها ، إنها جدتي فحسب . كانت تخبرني عن الحب خير من كل الفلاسفة ، سمعت ندائها بأثير المسافة فهرولت إليها وحين أتيت كان قد سبقني إليها ، ناديت " جدتي هاقد أتيت " ، فلم ترد، أول مرة أناديها ولا ترد ، كان علي أن أسرع ولكنه كان أسرع دون شك,لأول مرة أقول لها " أنت قوية وكأنك تصغرين أمي " ولم تبتسم كما عودتني وابتسامتها واضحة رغم الشفتين ساكنتين ، آثار دموع مسحت على مآقيها انتهت إلى خدها ، خطت جملة لم يقرأها دوني ، أو لم يراها أو قرأها لكنه لم يفهمها فأدركت إنها كانت أعلم ، كانت تود أن تراني لآخر مرة أو آخر شيء تراه وهي تغمض عينيها عن الدنيا كما كانت تفعل قبل السبات , كانت تراني في اليوم مثل ألف مرة وكأنها لم تراني ولا مرة ، كانت في شوق دائم إليّ , لم تطق يوماً لم تراني فيه وتفتح يومها بحديثها إلي وتغمض عينيها وهي في حديثها إليّ , تحكي حكاية أو تتلوا شعراً أو تسرد قصة وكان علي أن أفتح عيني بقدر كبير وهي تسرد لي ثم كان علي أن أغمضها في نهاية القصة ، لكن عندما دار الزمن دورته صار علي أن أغمض عيني أولاً ثم أراها وعلي أن أفتحهما في نهاية القصة شيئاً لذيذاً استبدل ، شعرت بالرعب المفاجئ و رغبة عارمة في البكاء، و قد وضعوها على حافة القبر وكانوا يستعدون لكسر قانون الحياة ..
كان الكون بلا شكل و بلا حجم , أو كان عدة أشكال وأحجام ، غرائبه تدور في جوفه تتصادم وتتلاطم فتكوّن آخر أو تفني آخر بلا نهاية بقانون غير ثابت ، الدنيا تبدو من مكان شاهق ألماً مجسماً وسراب لذة لا أصل لها في الأشياء لا يراه غير الأغنياء وذوي الألباب وشيء يقرب من الفناء يخطو خطوتين ويرجع خطوتين دون أن تسبق خطوته الأخرى , كنت أقول إنها ليست بعيدة عني , إنها بضعة أمتار ثم أصل إليها ، إنها ما زالت في الدنيا ترقد كالسابق لكنها لا تنهض في الصباح الباكر لتشاهد شروق الشمس كما تعودت ، ترقد مثلنا ليلاً وتنام ، لكنها لا تستيقظ ، لم تكن أبداً بعيدة لأننا لم نعهد البعد بيننا ، بضعة أمتار فقط أجتازها وأتحدث إليها ، شعرت في الصباح الباكر بقساوة الحياة والدنيا والزمن و .. وضعوها في شق الارض كما توضع البذرة حين غرسها ثم دفعوا إليها بأكوام التراب وغادروها في حبسها السرمدي كغريب ، كان شيئاً من الجبن أن تحيي بينهم عقوداً من الزمن ، ثمانون عاماً وبتلك السهولة يسلمونها للثرى ، كان استسلام مفرط ، فرق بسيط بينها وبينهم غادروها وحيدة ، رجعت وأنا في صراع مع الدموع أحاول أن أزرفها فلم أفلح ، فأتذكرها بوضوح أتذكر تلك الأيام كأنها اليوم أو الغد ، أسمع منها ( لا شيء ينتهي في هذا الوجود ولا شيء يبقى للخلود) .. ولا تسمع مني شيء أصمت ولا تسمع مني شيء وكذلك أتكلم ولا تسمع مني لم أعهد هذا أو ما شابهه ، لم أعهده مطلقاً . أسمع صوتها بنبرات الهمس كنغم اهتزاز الوتر ، أسمعه من جهة الشمال فألتفت ، لا إنه من الغرب فألتفت ناحية الغرب ، لا إنه يأتي من جميع الجهات ، أسمعها تناديني من كل الجهات ، أتذكرها بوضوح ، كانت كفارس ظل كل عهده يحمل سيفه ليقيم الحب بين الناس و لو بالإكراه ، لا يأكل ولا يشرب إلا إذا وجد من يشاركه الأكل والشراب ، كانت السابعة في أبويها تحسبها البكر , كانت فوق السبعين لكنها نشطة تراها العيون كفتاة تستعد لعمر الشباب . كان حزني حزنهم جميعـاً وبكـائي كان المسمـوع بينـهم ، رغـم الشفتان مطبقتان ، كان يكفي ليرفع المأتم في حينه ، أراها واضحة كالسابق .. تبتسم .. تصافحني ، يدها كما هي ، رطبة كأن لم تمر عليها كل تلك السنين ولم يغيرها الزمن ، كانت ما زالت ترى لمسافة أبعد من كل أحفادها وهم حولها تراهنهم وتكسب الرهان واليوم أردتها أن تراهنني ، بأن التي تقف أمامي هي جدتي هي نفسها إن كانت ستراها ، رأيتها فوثبت واقفاً ، سلمت عليها وسط دهشة الكل وأجلستها في مأتمها وقرأنا الفاتحة عليها ثم ودعتني في دهشة العيون و لثمت خدي ثم مضت ، وقفت أمام القبر وناديتها بالحرف الواحد :
" جـ .. د .. تـ .. ي "
فلم أسمع الرد ، ولا شيء مطلقاً , فلم تعد الاحوال كالسالف ، الرياح لم تعد تجري كالسابق فقد غيرت بوصلة الإتجاه ، الأرض كفت عن التراوغ و الدوران و الشمس تقلصت وهربت ، و ماتت خلايا الحياة . فلا عجب ، فبكيت بكاء طويلاً لكن قليلاً ما ينفع البكاء .