صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 7 من 12

الموضوع: من روايات عبير ابتسامة وحيدة

  1. #1
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي من روايات عبير ابتسامة وحيدة

    اهلا بكم اعضاء وزوار منتدى كلمات مضيئة كما تعودنا ناتى لكم بكل ماهو جديد تابعونا
    وجديدنا اليوم اجمل الموضوعات عن اجمل روايات عبير


    الملخص


    هل ينتهي العالم عندما يفشل الحب الأول؟ تيريزا علّقت على باب قلبها شارة ممنوع الدخول بعد أنهيار خطواتها, وسافرت الى صديقتها لتداوي جراحها العميقة, وهناك عرض عليها سكوت ميلوارد العمل كمربية لأبنته.



    وافقت تيريزا لأنها وجدت في الطفلة التي تخلت عنها أمها منذ عامين قنديلا يضيء أوقاتها المظلمة, ولكن سكوت الرجل الذي أكلت الوحدة أبتسامته أقترح على المربية الزواج منعا للأقاويل.



    رجل وأمرأة محصنان ضد مرض الحب , هل تصيبهما سهامه الجميلة بنارها فينقلب الماء الى ذهب؟ أم أن ظهور ايلان الزوجة السابقة يغيّر كل الموازين؟


    كانت تيريزا في تلك اللحظات تشتعل غضبا وأنفعالا , ولكنها تمكنت من السيطرة على نفسها وأعصابها , سمعت صوت سيارة محرك سيارة, فتأكد لها وصول دان أو ماري , رفعت رأسها بشموخ, وقالت له:
    " شكرا لك , يا سيد ميلوارد , فليس من الضروري أبدا أن تزعج نفسك, هل يمكنني الآن أسترجاع الحقيبتين. فثمة شخص آت لأستقبالي".
    " أزعج نفسي؟".
    تنهدت تيريزا بحدة, وهي تشكر الظروف لأنها ليست مربية ميليندا , أقترب منها دان ورورك بحماسة ظاهرة , فرمت نفسها بين ذراعيه , ضمها اليه بقوة ورفعها عن الأرض, وقال:
    " ها قد أتت حبيبتي الصغيرة لتنير أيامي المظلمة , تيريزا , تيريزا! أنا سعيد جدا بمجيئك, أنت أجمل بكثير من السابق!".
    أبتسم العجوز مايك ترسكوت , وقال:
    " أوه , ماذا أرى!".
    " نعم, يا مايك, أليست رائعة الجمال؟ أياك أن تخبر ماري عما شاهدته الآن , أيها الكبش العجوز , مرحبا , يا سكوت! ألم تصل بضاعتك بعد؟ بضاعتي أنا أصبحت هنا , يا لها من بضاعة!".
    ثم أستدار نحو تيريزا , وأضاف قائلا:
    " لم تتمكن ماري من الحضور , أيتها العزيزة , لأن لعبتنا الصغيرة من أوجاع في أذنيها , لا تقلقي فهي بخير والحمد لله , هل تعرفت الى سكوت , أيتها الحبيبة؟ أنه مرشحنا لرئاسة لحنة الأمهات والفتيات".
    " نعم, ألتقينا".
    غابت الأبتسامة المرحة عن وجه دان المفعم بالبهجة والأنشراح , نتيجة النبرة الباردة والجافة التي لاحظتها في صوت تيريزا , تطلع نحو سكوت بشيء من الأستغراب , فقال له الرجل الآخر وهو يصعد الى سيارته:
    " تعرفنا الى بعضنا , يا دان".
    أغلق الباب وراءه , ومضى الى القول :
    " حدث بيننا سوء تفاهم , ناجم عن توقعي لشخص آخر , أعتذر عن ذلك ... أذا كان هذا الأمر يستدعي الأعتذار ".
    لوح بيده وأطلق لسيارته العنان, قبل أن تتمكن تيريزا من التعليق على كلامه , تطلعت نحو دان , الذي يقف قربها مذهولا ومستغربا هذا العداء السافر, وسألته بلهجة حانقة لتتأكد من معلوماتها:
    " من , أو بالأحرى , ما هي البضاعة التي ينتظر هذا الرجل وصولها , يا دان؟".
    " كان سكوت يتوقع حضور مربية لأبنته , و...".
    قاطعته بحدة , كأنها لم تسمع كلامه:
    "أذا كان الأمر يستدعي الأعتذار؟ يا للوقاحة! هل أبدو , يا دان , كمربية عجوز شمطاء؟".
    أبتسم دان برقة لصديقة زوجته , وقال لها:
    " طبعا لا , أيتها الحبيبة , فأنت جميلة الجميلات ورمز الجمال".
    " أذن , فأنا أستحق منه أعتذارا , أليس كذلك ؟ ألم يقل أنه سيعتذر , أذا كان الأمر يتطلب ذلك ؟ سأطالبه بالأعتذار وأحصل عليه , حتى ولو كانت هذه الخطوة آخر شيء أقوم به في حياتي ".
    ضحك الرجل العجوز , وقال:
    " أوه , يا سيد دان , أنها فعلا مهرة حادة المزاج".
    ثم ألتفت نحو تيريزا , وأضاف قائلا:
    "أستميحك عذرا , يا آنسة ,في أي حال , سوف تحتاجين بالتأكيد الى مثل هذه الطباع لكي تتمكني من مواجهة ذلك الرجل ".
    تدخل دان وسألها بهدوء يخفي بعض الكدر:
    " ألم تبلغيه عمن تكونين ؟".
    " لم تسنح لي أي فرصة , وجه الي كلمات قاسية ولاذعة بالنسبة الى عمري ومؤهلاتي , قال لي أنه....".
    لم تنه جملتها , لأنها لاحظت بشيء من الدهشة عدم أكتراث دان بما تقوله ... أو حتى تشعر به, حمل حقيبتيها ووضعهما بعناية على المقعد الخلفي , ثم قال لها:
    " هيا لنذهب الآن , أيتها الحبيبة , قبل أن تأتي ماري للبحث عنا أنها متشوقة كثيرا لرؤيتك".
    جلست قربه , وقد بدأ يخف بصورة تدريجية , تبا لسكوت ميلوارد ولبضاعته المنتظرة ! فهي في طريقها لمقابلة صديقتها المفضلة , ومشاهدة الطفلة الطيبة التي سمعت عنها الكثير .
    ألتقت ماري هذا المزارع القوي , وتزوجته بعد عاصفة من الغرام والهيام لم تدم سوى بضعة أيام, تركت بريطانيا فور الأنتهاء من معاملات الزواج وأعداد الأوراق والوثائق المطلوبة , وأتت لتسكن معه في هذه المنطقة البعيدة عن المدنية والحضارة وتساعده في زراعة التبغ .
    أدار دان محرك السيارة, فلوحت بيدها للرجل العجوز .... الذي أحنى لها رأسه تهذيبا وأحتراما , تطلع دان نحوها , بمجرد خروجهما من منطقة المحطة , وقال:

    " آسف جدا على هذا التأخير , أيتها العزيزة , تعطلت هذه السيارة اللعينة كعادتها , فأضطررت للتوقف بعض الوقت لأصلاحها , أعتقد أنني بحاجة ماسة لشراء سيارة, فالتي نستقلها الآن لا تستحق هذا الأسم منذ زمن بعيد , سأذهب الى العاصمة في الشهر المقبل لأبتياع سيارة تليق بصديقتك الحبيبة , كيف كانت رحلتك ؟ لماذا أسأل , فمن المؤكد أنها كانت طويلة ومرهقة جدا".
    " هل لا نزال بعيدين كثيرا ؟".
    " سنصل بعد ساعة من الآن , أنظري , هذه هي حدود أرضي".
    تأملت تيريزا تلك المنطقة , وقالت بشيء من الأستغراب:
    " لماذا تترك مثل هذه الكميات الهائلة من النباتات البرية , تصل الى هذه الدرجة من الضخامة والأرتفاع , يا دان؟".
    " نباتات برية, يا فتاة المدن الجاهلة! هذا هو التبغ , أيتها العزيزة".
    كانت ماري رورك واقفة على الشرفية الأمامية , عندما وصلت سيارة دان , ركضت نحو صديقتها بلهفة واضحة , وعانقتها بحب وحنان وهي تقول:
    " تيريزا , أيتها الحبيبة , جئت أخيرا , وأنت الآن أجمل من أي وقت مضى ! دعيني أنظر اليك وأتأملك ! تبدين وكأنك آتية من أحدى الحفلات الراقية , وليس من رحلة مضنية في قطار قديم ومنه الى سيارة مهترئة !".
    ثم تراجعت خطوة الى الوراء , وأضافت ممازحة :
    " لدي أنتقاد واحد , وهو أنك فقدن بعض وزنك ".
    كانت الدموع تنهمر من عيني تيريزا , ولكنها سيطرت على عواطفها وقالت باسمة:
    " أيتها الحبيبة , ماري ! أنا سعيدة جدا برؤيتك , ولكن ... لا تلعبي معي دور الأم المتشددة , صحتي جيدة , ووزني منايب , ولم أفقد أيا من أسناني ".
    أبتسم دان وقال لزوجته وصديقتها :
    " هيا , هيا لندخل ... يكفي ثرثرة !".
    ثم سأل ماري , وهو يفتح الباب :
    " كيف هي لعبتنا الصغيرة الآن؟".
    " أنها نائمة , أعتقد أن أوجاعها زالت , لنشرب الشاي الآن , ومن ثم يمكن لتريزا مقابلة مليكة هذا البيت".




  2. #2
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة

    جلست تيريزا في مقعد وثير , ثم خلعت حذاءها وتنهدت بأرتياح ظاهر, أبتسمت ماري نتيجة تصرف صديقتها الطبيعي , الذي لا يزال كما هو منذ فترة الدراسة , وقالت لنفسها أن بأمكان تيريزا الأعتراض على موضوع الوزن , ولكن الفرق واضح للغاية , ثم ... لماذا هذا الحزن الذي يسكن عينيها الزرقاوين الجميلتين؟ أين هي البهجة التي كانت تعم ملامح وجهها , وتظهر جليا في تصرفاتها ونبرة صوتها؟
    أنتهى دان من شرب الشاي قبلهما وقام من مكانه , متحججا بأن أعمال الرجال لا تنتهي , ولدى وصوله الى الباب , أستدار نحو ماري وقال لها:
    " لم تصل الفتاة التي كان سكوت ينتظرها , أذا توقفت قليلا عن أسترجاع ذكريات الماضي المجيد , فسوف تتمكن تيريزا من أطلاعك على التفاصيل , لديها معلومات أولية عن زعيم وينديموت لأنها...".
    خرج دان مسرعا قبل أنهاء جملته , فألتفتت ماري نحو تيريزا وسألتها بكثير من الحماسة:
    "" أوه , هل تقابلتما ؟ أليس رجلا رائعا؟".
    " رائعا؟ لا يا عزيزتي , أنه بعيد كل البعد عن هذا الوصف ! أنا شخصيا أعتبر تصرفاته غير لائقة أبدا , وأقرب ما تكون الى تصرفات الوحوش أو آكلة لحوم البشر!".
    ثم راحت تشرح لها تفاصيل اللقاء العاصف مع سكوت ميلوارد , وما أن أنتهت , حتى ضحكت ماري بصورة غير متوقعة وقالت:
    " أوه, هذه هي فعلا طريقة صديقنا سكوت في معاملة الآخرين , أنه صريح للغاية , ولا يعرف المراوغة أو المجاملة , أعذريه على تصرفه هذا , فمن المؤكد أنه شعر بصدمة قوية عندما شاهدك أنت عوضا عن السيدة التي يتوقعها , سوف تتركه مربية ميليندا في المستقبل القريب لتتزوج , وكان يعتمد على وصول الأخرى لكي تتدرب بعض الوقت على الأسلوب المطلوب".
    " ما هو عمر أبنته , وأين هي زوجته حاليا؟".
    " مليندا في الرابعة , وهي فتاة طيبة جدا , والدها متعلق بها الى درجة مذهلة , أما زوجته... فقد تركته قبل عامين تقريبا , وأدى ذلك الى كثير من المرارى والحنق".
    أستغربت تيريزا الى حد الصدمة , تصرف هذه الأمرأة , كيف تترك بيتها وتتخلى عن طفلتها الصغيرة ؟ هل لديها أي أسباب يا ترى على الأطلاق تبرر هذا العمل الأرعن؟ سألت صديقتها بصراحة:
    " لماذا هجرته؟".
    ظلت ماري صامتة بعض الوقت , ثم قالت:
    " يصعب كثيرا تفسير ذلك يا تيريزا, أيلاين أبنة المدن , ومعتادة على حياة الترف وكافة أسباب للهو والراحة , سكوت لا يتحدث كثيرا عن الموضوع, كل ما أعرفه أنه ألتقاها في نيويورك , ثم تزوجا هناك, ولكنها لم تكن سعيدة كثيرا هنا ... في البراري , كما كان يحلو لها تسمية هذه المنطقة من العالم, ثم,,,".
    سمعتا صراخ طفلة رضيعة , فتوقفت ماري عن الأسترسال في هذا الموضوع وقالت:
    " سأخبرك المزيد في وقت لاحق , تعالي لأعرفك على ... سيدة البيت الصغيرة".
    حملت تيريزا أبنة ماري بحب وحنان , وقالت باسمة:
    " أنها رائعة, رائعة!".
    " هذه هي جانيس تيريزا رورك التي تحبك كثيرا".
    ألتقت النظرات , فلاحظت ماري غمامة حزن تخيم على عيني صديقتها , تأملتها برهة, ثم قالت لها:
    " ثمة أشياء تزعجك يا تيريزا , أخبريني عنها".
    " لا أعرف كيف, أيتها الحبيبة , لم أعد قادرة على تحمل...".
    غصت وأغرورقت عيناها بالدموع , فأخذت ماري أبنتها منها وقالت بحنان:
    " حسنا يا حبيبتي , أنت الآن بحاجة الى حمام ينعشك ويريح أعصابك, سوف نتناول طعام الغداء بعد قليل, ثم نعود الى الثرثرة , لست بحاجة لأطلاعي الا على القدر الذي تريدين , ولديك الوقت الكافي لذلك, هيا لأريك غرفتك".
    تساءلت ماري , وهي في الطريق الى الغرفة المخصصة لصديقتها , عما أذا كان السبب عائدا الى ذلك الطبيب ديريك... الذي لم يعجبها هي منذ البداية.
    تناول الثلاثة طعامهم الشهي , وعاد دان الى عمله , وبعد القيلولة التي أخذتها تيريزا بناء على أصرار ماري , جلست الصديقتان على الشرفة صامتتين , وفجأة , قطعت تيريزا حبل الصمت قائلة:
    " ماري, لا بد لي من أطلاعك عما جرى , أنت صديقتي الوحيدة , ومن واجبي أبلاغك تفصيلا بما حدث".

    ثم تنهدت , ومضت الى القول:



    " صدقيني أولا أنني لا أدري كيف بدأت قصتي , أحببت التمريض كثيرا , كما تعلمين , وكنت وديريك ننعم بخطوبتنا ونتطلع قدما الى زواج سعيد ودائم , كانت هذه مشاعري أنا , على الأقل , أوه , ماري , لماذا لم يثق بي؟ لم أكن أتصور أبدا أننا سنكون بحاجة لمثل هذه الكلمة ... ثقة! هل تذكرين موظف المكتب العقاري الذي وجد لنا شقتنا؟".



    " ميتش سوندرز ؟ نعم, أذكر محاولاته اليائسة للتود اليك ... والتي أزعجتنا في بعض الأحيان , وأذكر أيضا ملامح وجهه عندما أقتنع أخيرا بأنه يضيع وقته مع شابة ... مرتبطة بغيره , أوه , كم كان تصرفك معه باردا ومؤلما! لن أنسى أبدا نظرات العاشق المسكين عندما طلبت منه مغادرة الشقة ! هيا , أكملي!".



    " كانت لديه أخت تدعى سيلفيا ... أرملة , وثرية الى درجة التخمة".



    " وما علاقتها بالموضوع؟".



    " أعجبها خطيبي , يا سيدتي , أعجبها كثيرا , لأنه كان لديه كل ما تطمح اليه ... مكانة رفيعة في المجتمع , ثروة لا بأس بها تجعله غير راغب بأموالها , وبيت جميل في الحي الأرستقراطي المناسب , أنا متأكدة تقريبا من أنها هي التي كانت سبب مشكلتي الحالية , رفضت محاربتها , ألتقينا مرارا في الحفلات والمناسبات الأجتماعية , وكانت تبذل كل مرة جهودا مضنية لجذب أهتمامه والأستئثار بأنتباهه , أمطرته أطراء وثناء , وتقبل طبيبي الوسيم كل ذلك برحابة صدر... وسعادة , لم يتخل أبدا عن حبه لي أو أهتمامه بي , ولكنها مهدت له الطريق بعناية فائقة , المسكين! أنني حقا أشفق عليه ! ".



    توقفت لحظة , ثم تابعت بهدوء حزين:



    " الأمر الذي لا يمكنني تناسيه أو غفرانه هو عدم ثقته بما حذرته منه, ورفضه العنيد لما قلته له, أصر على القول أنه ليس من الممكن أن تخدعه عيناه , وهكذا كان!".



    " هكذا كان, ماذا , يا تيريزا؟".



    " لن أكمل ما لم أتأكد أنك ستصدقينني ".



    تأملتها ماري فترة طويلة , وكأنها تذكرها بعمق الصداقة التي تربط بينهما , أقتنعت تيريزا بذلك التأكيد الصامت , وقالت:



    " شكرا يا ماري, وأعذريني على هذا التشكك الذي لا ضرورة له أطلاقا, لم أكن مضطرة أبدا للتحدث معك أنت عن الثقة , ولكن الأحداث التي مررت بها في الفترة الأخيرة جعلتني أنظر الى الحياة والمثل العليا من زاوية غير صحيحة , ها قد عدت الى الكلام الفارغ ".



    " لديك كل الوقت لتفعلي ذلك, فأنا لن أختفي من هنا".



    " أتصل بي ميتش سوندرز في أحد الأيام , ويدا كأنه يجد صعوبة في أختيار الكلمات المناسبة , كان يتحدث بأنفعال عن أخته , ويريد مني نصيحة طبية , قلت له أنني ممرضة في سنتها الثالثة , وطلبت منه الأتصال بأحد الأطباء , قاطعني بعصبية بالغة , مصرا على التحدث معي أولا كي أنصحه بما سيفعل, سألته عن مشكلة أخته التي تبدو بصحة ممتازة , فلم يجب لفترة طويلة , ثم قال لي بصوت منخفض ينم عن الخجل الشديد , أنه أكتشف بين أوراق شقيقته معلومات مذهلة ومؤلمة عن صحتها , وأنها لا تفعل شيئا لمعالجة نفسها , طلبت منه أن يأخذها فورا الى أحد المستشفيات , ولكنه قال أنها من النوع الذي لا يمكن أرغامه على أي عمل لا تريده ... وخاصة أذا جاء الأقتراح من أخيها , توسل اليّ لأقبل بموافاته الى مكان ما , لكي نبحث الأمر بالتفصيل , رجاني أن أطلب من الطبيب ديريك مان التحدث معها , علّه يتمكن من أقناعها , وعدني بأطلاعي على كافة التفاصيل المتعلقة بصحتها , لأنه يثق بأستقامتي , يا لهذه الكلمة! دعوته الى الشقة ولكنه رفض ذلك , قائلا أنه لا يريد أحراج خطيبة الطبيب بأي شكل أو آخر, أتفقنا في النهاية على اللقاء في أحد المطاعم , وما أن أنتهينا من حديثنا , حتى أتصل بي ديريك ودعاني الى السهرة , كنت حائرة ومترددة , فقلت له أنني أفضل عدم الذهاب بسبب التعب والأرهاق , أخبرته ذلك في وقت لاحق , صدقيني , يا ماري , لم أكن أنوي خداعه , وعدت ميتش بمقابلته لهدف نبيل , وقررت في تلك اللحظة ألا أفشي سره لأحد .... حتى لديريك , أوه , كم كنت غبية ورعناء!".



    كانت ماري تصغي أليها بأهتمام بالغ , مما شجعها على متابعة الحديث بدون تردد أو أحراج , قالت:



    " وجدت ميتش في سيارته على منعطف قريب من المطعم , بدا منفعلا بعض الشيء , وقال أن المطعم مكتظ بالزبائن ... وقد نلتقي أحدا من معارفنا وأتعرض بالتالي لثرثرة أنا بغنى عنها , لم يخطر ببالي آنذاك سبب هذا التحول المفاجىء في تصرفاته وأهتمامه المتزايد بالحفاظ على سمعتي , بدا قلقا للغاية , فقبلت أقتراحه بالذهاب الى مكان آخر , ذهلت عندما أوقف السيارة في مكان يشرف على المدينة , لم أعترض على الفور ظنا مني أنه يحاول أيجاد الكلمات المناسبة لأطلاعي على تفاصيل المشكلة الصحية لأخته , سألني بتردد عن صحتي وأحوالي , مضيفا أنه لم يرني منذ فترة طويلة , فأجبته بأنني بخير , وطلبت منه الدخول في الموضوع , لاحظت أنه يماطل بعض الشيء, ويتأمل منعطف الطريق بشكل وثيق , وما هي الا لحظات ,حتى أقترب مني وكأنه يتفادى أنوار سيارة كانت مقبلة نحونا ببطء شديد , وقفت السيارة الثانية قربنا ونزل منها ... ديريك! يا للأثارة! فتح بابي وسألني بتهذيب بالغ أذا كان بأمكانه أيصالي الى البيت , بعدما تنشقت ما يكفيني من الهواء النظيف ... والنسيم العليل, كان المشهد يا ماري , مثيرا للضحك".



    " يا له من متعجرف أحمق!".



    " لا , أيتها العزيزة , فقد تصرف كسيد محترم طوال الوقت , تطلعت نحو ميتش كي يبادر الى شرح الموقف , ولكنه أمسك بمقود سيارته , وقال أن بحث الموضوع يتحمل التأجيل الى وقت لاحق , الخسيس! شعر المسكين ديريك وكأنه أصيب بالصميم , قال له أن ذلك لن يتم أبدا , أذا كان الأمر عائدا اليه , ودّعه بلهجة جافة وجملة مقتضبة ثم ذهبنا".



    وراحت تيريزا تسرد على صديقتها تفاصيل ما جرى بعد ذلك , قالت أنها وقفت أمامه بعزة وكبرياء , وهو يسألها عما أذا كان وجودها مع ميتش هو ضمن موضوع النوم باكرا , تنهدت بأنزعاج واضح , ثم بدأت تعيد على مسامع ماري تفاصيا الحوار الذي جرى بينها وديريك.



    " لا أزال أنوي النوم باكرا , يا ديريك , كنا على وشك بحث مسألة مفاجئة تتطلب التكتم والسرية".



    " أوه , سرية الى درجة كبيرة ... كما لاحظت! كانت السرية بالطبع تحتم عليه الأقتراب منك الى تلك الدرجة!".



    " أتصل بي ميتش وطلب مقابلتي لبحث موضوع خاص , وعد بأن أبحثه معك أنت بالذات في وقت لاحق".



    " لا شك في أنه خاص جدا, لدرجة أن بحثه يتطلب مغادرتك شقتك ومقابلته في منطقة تسمى ... طريق العشاق".



    " أوه , ديريك! لا تكن سخيفا! لم يكن الأمر هكذا على الأطلاق , المسألة طبية , وليس فيها أي شيء آخر , هل أرتاح بالك الآن؟".



    " مسألة طبية ؟ أرتاح بالي؟ هل تحاولين الأيحاء لي بأن ميتش يسعى للحصول على مساعدتك لأنقاذه من ورطة مع أحدى صديقاته ؟ ".



    " لا أعرف تفاصيل المشكلة , لأنه لم يتمكن من أطلاعي عليها بسبب مجيئك , كل ما أعرفه أن لديه مشكلة مع أحدى النساء , ولكن ليس بالطريقة التي تعنيها أو تتصورها , ثم ... كيف تجرؤ على التلميح بأنني أتورط في ...! أوه , كيف عرفت بوجودي هناك ؟".



    " تلقيت أتصالا هاتفيا .... من مجهول".



    " مجهول! هذه مكيدة يا ديريك , وسوف أصارحك بكل شيء , من المؤكد أن سيلفيا لا تعاني من أي مشكلة صحية , وميتش الخائن الحقير هو الذي رسم الخطة للأيقاع بيننا!".



    " سيلفيا ؟ ما بها؟ هل هي مريضة؟ أشرحي لي الأمر بالتفصيل يا عزيزتي".



    " أتصل بي ميتش للتحدث معي على أنفراد بصدد مرض ما تعاني منه سيلفيا , كان متوتر الأعصاب الى درجة تثير الشفقة , ووافقت على أقتراحه لهذا السبب فقط".



    " ولماذا قيل لي أنها لم تكن المرة الأولى التي تشاهدان فيها معا في ذلك المكان؟".



    " رباه , ديريك! ألا يمكنك الوثوق بكلامي؟ أنت تثق بي بالتأكيد , أليس كذلك؟".



    " أتت سيلفيا اليوم الى العيادة لأعالجها من مشكلة بسيطة , لا تستدعي أطلاقا مخاوف شقيقها ... كما ورد في روايتك للقصة ".



    " روايتي؟ هل هذه الكلمة تعني أنك لم تصدقني ؟ أوه , ديريك , الأفضل لنا أن نتحدث في موضوع آخر , مجيء سيلفيا اليوم الى العيادة يثبت ... روايتي , أيها العزيز , ولكن الأتصال الغامض هو محاولة متعمدة لأحداث شرخ عميق في العلاقة بيننا ... هل لديك أي فكرة عن هوية الشخص؟ هل هو رجل أم أمرأة؟".



    " لا أدري , كان الشخص يتمتم هامسا وكأنه يتحدث من تحت الماء".



    " لماذا لم تقل لذلك الشخص أن يذهب الى الجحيم؟ هل سيطر حب الأستطلاع على طبيعتك الطيبة وثقتك بي؟".



    " لديّ سمعة معينة ومكانة مرموقة يجب المحافظة عليهما , فلو شاهدك فعلا أحد الأصدقاء هناك , لتصور أشياء بعيدة عن الواقع , أردت التأكد بنفسي من عدم صحة هذا الأدعاء , وشعرت فعلا بصدمة حقيقية عندما رأيتك معه, في أي حال , سأكتفي بهذا القدر من الأيضاحات وأنسى الموضوع بكامله , ولكن لا تورطي نفسك بعد الآن في أمور كهذه , أبعثي لي بأي مريض محتمل ... فأنا الطبيب , أيتها الحبيبة".



    تنهدت تيريزا للمرة العاشرة , ثم تابعت سرد قصتها لماري


    "سألت نفسي مرارا , بعد ذهاب ديريك , عما أذا كان ميتش يخطط للأيقاع بي, من كان يعلم بوجودي هناك غيره, ولماذا أخذني الى ذلك المكان بالذات ؟ شعرت بأن أخته هي المخطط الرئيسي , ووراء محاولة تشويه سمعتي بالنسبة الى ديريك , حاولت تناسي الموضوع وأعتباره من أحداث الماضي , ولكن الضربة القاضية جاءت بعد أسبوعين فقط من تلك القصة , أوه , ماري! كنت أتصور الحب بطريقة أخرى ... أعتبره رمز النقاوة والعفة والطهارة ! أصطدمت بصخرة الأحلام التي بنيتها لنفسي , وتحطمت عليها كل آمالي! لا, لا , الحب ليس الا مزيجا من الأوهام والأكاذيب".
    " مهلك , يا صغيرتي, أنت اليوم في وضع معين, ولكن أرجوك ألا تدعي هذه الأفكار السوداء تغوص الى أعماق قلبك ومشاعرك , هيا أكملي".
    " كنت في قسم الطوارىء , عندما أتصلت بي سيدة طالبة النجدة , ذهبت فورا الى المنزل المحدد . فأستقبلتني على بابه ... سيلفيا , نعم , يا سيدتي, سيلفيا , فتحت فمي لأصب عليها جام غضبي , ولكنها بدأت تتهاوى أمامي وسكبت عليّ محتويات كوب العصير الذي كانت تحمله , ساعدتها للوصول الى الغرفة وقمت بما يمليه علي الواجب كممرضة , أستفاقت بسرعة من الأغماء المؤقت وشكرتني على أهتمامي بها , معتذرة في الوقت نفسه عما فعلته بثيابي, توسلت أليّ لطي أنظف ثوب التمريض الأبيض قبل مغادرتي الشقة, وأعطتني معطفا لأرتديه أثناء ذلك , عدت الى الغرفة بعد دقائق , فتبين لي أنها غادرت المكان ! وفجأة , فتح الباب ودخل ديريك ! أكتشفت منه بسرعة , وأنا أقف حائرة مذهولة , انه تلقى أتصالا هاتفيا من مجهول ليحضر الى ... شقة ميتش ! أنهمرت على بالطبع أتهاماته القاسية , ولم يترك لي مجالا لأطلاعه عما حدث , لم أرد البقاء مع رجل لا يثق بي الى هذه الدرجة , فقدمت له أستقالتي في اليوم التالي ... وقررت الأبتعاد عن طريقه".
    " وسيلفيا؟".
    " لم أرها بعد ذلك أبدا , حاول ديريك الأتصال بي مرات عديدة , ولكنني رفضت مقابلته أو التحدث اليه ... بأستثناء مطالبته بالأستفسار من سيلفيا عن حقيقة الأمر , فكرت كثيرا بالعمل في مستشفى آخر , لأن الأموال التي ورثتها عن والدي سوف تنضب عاجلا أو آجلا".
    نظرت أليها ماري بحنان ظاهر , وقالت:
    " كنت سأفعل الشيء نفسه , أيتها الحبيبة , وأنا أشكرك لأطلاعي على ما حدث معك , أنت هنا على الرحب والسعة , ويمكنك البقاء معنا طالما أنا على قيد الحياة".
    دمعت عينا تيريزا , وقالت لماري بتأثر بالغ:
    " شكرا جزيلا , أيتها الحبيبة , أنا حقا محظوظة لوجود أصدقاء أوفياء مثلك, سأساعدك في البيت , وفي أي شيء آخر تطلبينه ".
    " هيا , ها! لا أريد منك شيئا سوى تمتعك بالراحة ومحاولتك نسيان الماضي , لدينا هنا مجموعة كبيرة من أفضل الخيول , وعدد لا بأس به من ملاعب كرة المضرب ... وناد للرقص .. صدقيني , يا تيريزا , فالشبان هنا لن يتركوا لك أي فرصة ... للبكاء على الأطلال".
    ضحكت الصديقتان , ولكن تيريزا كانت مقتنعة في قرارة نفسها بأنها ستكون من الآن فصاعدا أكثر حذرا وتحفظا مع الرجال!


  3. #3
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة


    2- الفارس المنقذ
    وقفت تيريزا صباح اليوم التالي تتأمل التلال والسهول والأشجار , وتملأ رئتيها بالهواء النقي , أنضمت أليها صديقتها بعد لحظات , وقالت:
    " أنه منظر رائع , أليس كذلك؟".
    " بكل تأكيد, أوه , ماري , هل يمكنني القيام بعد الفطور بجولة في هذه المنطقة؟ أشعر وكأن تلك الأشجار الخلابة تناديني وتصر على حضوري".
    " صرخة البراري ودعوة الطبيعة! أنتبهي , يا تيريزا! فأما أن تبتعدي عنها كليا , وأما أنك ستعلقين بها حتى النهاية ولن تعرفي بعد ذلك طريق العودة ".
    " وزوجة سكوت ميلوارد ؟ هل كانت صماء عمياء لا تسمع نداء الطبيعة ولا ترى جمالها وجاذبيتها ؟".
    " لم تخلق أيلاين لمثل هذا النوع من الحياة , تحب المدينة وكل ما توفره لها من أسباب الرفاهية والترفيه عن النفس , وحياتنا هنا...".
    " هل كان ... هل يحبها كثيرا؟".
    أجابتها ماري بصراحتها المعهودة , وبدون تردد :
    " كان يحبها حتى الجنون".
    لم تعلق تيريزا بشيء على الموضوع , بل ظلت صامتة بعض الوقت ثم قالت مازحة:
    " كل ما أريده اليوم هو القيام بجولة قصيرة, لن أستمع خلالها الى أي من نداءات الطبيعة , هل تعتقدين أن دان سيسمح لي بأستخدام الحصان الأسود؟".
    " طبعا, لكن عديني بأنك لن تبتعدي كثيرا , العمال كلهم اليوم في الحقول وليس لدي أحد هنا لأرسله معك , كما أنني لست قادرة على مرافقتك بسبب الطفلة".
    " أعدك بذلك , هيا الآن لنأكل , فأنا جائعة كثيرا ويتحتم علي الأهتمام بصحتي ... ووزني".
    أنضم اليهما دان , وتناول الثلاثة فطورهم وهم يثرثرون ويضحكون , وبعد مساعدة ماري في أدخال الصحون الى المطبخ , أمتطت تيريزا صهوة الجواد وأنطلقت في جولة تنتظرها بفارغ الصبر , أعجبتها فسحة جميلة بين الأشجار , فنزلت عن حصانها وراحت تقفز بفرح وسرور ... وتغني, أوه , سكون منعش وطقس جميل... يزيد من روعتهما نسيم بارد وزقزقة عصفور , يا لهذه الطبيعة الخلابة! وفجأة , سمعت وراءها صوتا يشبه الزئير.
    أستدارت بسرعة لتواجه بأضخم حيوان شاهدته في حياتها, شعرت في قرارة نفسها أن قفزة واحدة من ذلك الثور سوف تقضي عليها خلال لحظات , ضرب الأرض بحوافره , فجمدت في مكانها تفكر بأفضل طريقة للنجاة من الكارثة المرتقبة , رأت خيالا على بعد مئات الأمتار , فأحست بالأرتياح , ولكن الرجل لم ينتبه اليها , وحوّل حصانه الى جهة أخرى , دب الفزع والهلع ثانية في قلبها , فصفرت بقوة شديدة جعلت الحصان يتوقف بصورة مفاجئة ... خائفا مذعورا , تطلع الرجل نحوها , ثم قال لها بصوت عال لتسمعه:
    " لا تتحركي من مكانك ... سوف أبعده عنك, أستعدي للأمساك بذراعي والقفز ورائي , ها أنا آت!".
    صرخ بأعلى صوته كرعاة البقر , ثم هجم بحصانه نحو الثور وهو يلوح بيده , ذعر الحيوان الكبير وفر هاربا , فيما أمسك الرجل بذراع تيريزا الممدودة ورفعها الى حصانه بسهولة ويسر فائقين , تذكرت تيريزا في تلك اللحظات قصص الفرسان الشجعان , وأفتر ثغرها عن أبتسامة أمتنان وأرتياح , ولكن السرعة الهائلة للحصان التي كان منطلقا بها , أفزعتها وأرعبتها , هل أنقذها هذا الرجل الشجاع من الثور ليدق عنقها , أو يحطم عظامها بسبب هذه السرعة الجنونية , صرخت به متوسلة:
    " توقف! أوه , توقف, أرجوك! ".
    خفف الرجل من سرعة حصانه وألتفت نحوها , فقالت له متلعثمة:
    " ليست ... ليست هذه وجهتي , يا سيد.... يا سيد ميلوارد ! بيتي ... بيتي في الجانب ... الآخر".
    أوقف سكوت جواده قرب المنطقة التي تركت فيها حصانها , ثم نزل وحملها بين ذراعيه القويتين لأنزالها الى الأرض, كانت ترتجف كورقة في مهب الريح , فلم يتركها على الفور ... بل ظل ممسكا بها بعض الوقت , حاولت جاهدة الوقوف بمفردها على قدميها , كي تتمكن من الأبتعاد عنه... وعن نظراته التي تكاد تذيبها , ستغرق... ولكنه أبعد ذراعيه عنها ببطء شديد وتراجع خطوة الى الوراء , قائلا بهدوء:
    " ستكونين بخير , يا آنسة ستانتون , ذهب ثورك الهائج بعيدا , ولن يعود".
    " لا أعرف كيف أشكرك, يا سيد ميلوارد , كنت مذعورة جدا... وكنت أنت في غاية الشجاعة لأنقاذي بتلك الطريقة...".
    " كان ذلك من دواعي سروري , يا آنسة , ولست بحاجة لتقديم الشكر".
    " أنا حقا ممتنة لك , لمن هو ذلك الثور يا ترى , وهل كان فعلا يشكل خطرا حقيقيا على حياتي ؟ من المؤكد , أنك أفزعته جدا بصراخك القوي".
    أبتسم سكوت وقال لها:
    "أعذريني , أيتها العزيزة , على تلك الطريقة الدراماتيكية التي أنقذتك بها , يظل الصبي صبيا يحب الأثارة والتباهي بشجاعته وفروسيته , حتى ولو أصبح في سني , هل بأمكانك الآن أيجاد طريق العودة بدون صعوبة؟".
    هزت رأسها ايجابا وكررت شكرها له, بعد الأعتذار عن الأزعاج الذي سببته له , ثم أمتطت حصانها وعادت الى منزل صديقتها , يا له من رجل مزاجي غريب الأطوار! لماذا أعتذر منها عن أنقاذه لها ؟ ولماذا تلك النكتة عن عقلية الأحداث وطعم الأثارة ؟ لماذا لا تزال تشعر بحرارة جسمه وقوة ذراعيه اللتين طوقتاها لبعض الوقت؟ و... ابتسم لها دان الذي كان آتيا لتوه من العمل , وسألها ممازحا:
    " هل كنت خارج البيت طوال هذا الوقت , يا حلوتي؟ يا لك من شيطانة صغيرة!".
    " أوه , يا دان , هل حان موعد الغداء ؟ لم أشعر أبدا بمرور الوقت , أرجو ألا تكون ماري غاضبة".
    ظهرت صديقتها في تلك اللحظة , وقالت :
    " سوف ألغي الأتصال الهاتفي الذي أجريته مع الشرطة بهدف البحث عنك , لا , لا تخافي , لم أتصل بالدائرة , مع أنني كنت فعلا أنوي ذلك , في أي حال...".
    طوقها دان بذراعه , ثم قبّها وقال مداعبا:
    " هيا, هيا أيتها الحبيبة , دعي الصبية تشرح موقفها".
    " أياك والمغازلة , يا دان رورك , أريدك أن تعرف جيدا أني امرأة متزوجة ومحترمة , هيا يا تيريزا ستانتون , أجلسي ... واشرحي لنا ما جرى".
    ضحكت تيريزا من الجدية التي أفتعلتها صديقتها مع زوجها وقالت:
    " لا يمكنكما تصور ما حدث معي اليوم . ألتقيت ثلاثة مخلوقات برية خلال أقل من ثلاث دقائق , خاف الأول مني كما خفت منه , وهرب كل منا في أتجاه معاكس , حاصرني الثاني على صخرة عالية , وكاد يودي بحياتي , أما الثالث , الذي كان يمتطي حصانا , فقد أنقذني من الثاني , هل تصدقان هذه القصة؟". منتديات ليلاس
    حدقا بها بأستغراب واضح, فأنفجرت ضاحكة , وجهت ماري الى زوجها نظرات ذات معنى , فوقف رافعا يده كأنه يهدد تيريزا بمعاقبتها كطفلة صغيرة.
    " أرجوك , يا دان , لا تضربني , سأخبرك الحقيقة!".
    أبتسم دان وماري , فبدأت تيريزا تردد على مسامعهما تفاصيل ما جرى معها , ولما أنتهت من رواية قصتها , لاحظت أن ملامحهما لم تتغير أو تتبدل".
    " يبدو أن عملية أنقاذي الدراماتيكية لم تثر أيا منكما على الأطلاق".
    أستفاقت ماري من ذهولها وقالت:
    " يا لها من حادثة مثيرة ".
    " كان وجود سكوت في تلك المنطقة صدفة عظيمة , سأراكما في وقت لاحق".
    تنهدت ماري مرة أخرى , وقالت بشيء من الحدة:
    "يا لها من تجربة قاسية , وخاصة تلك السرعة الجنونية التي أطلق فيها سكوت حصانه , سوف أتحدث معه بهذا الخصوص , أوه , تيريزا , ثمة شيء يحترق في المطبخ!".
    تضايقت تيريزا كثيرا لشعورها بأنها كانت ضحية حادثة مفتعلة مع ذلك الرجل المقيت , لا شك في أنه حاول أذلالها , ستعرف جيدا كيف ستواجهه ... هذا المخلوق الذي يتصور بأنه يستطيع التحكم بالأنسان والحيوان على حد سواء ! سيطرت على أعصابها المتوترة بسرعة مذهلة , وأبتسمت لزوج صديقتها عندما عاد الى الغرفة وقالت:
    " أعتقد أن الغداء جاهز , أيها العزيز دان , هل من شيء يزعجك؟ لماذا تنظر الي بهذه الطريقة؟ أوه, أنك بالتأكيد متضايق من التطلع الى وجهي المتسخ , سأغسله على الفور , يا سيدي !".
    أرسلت له قبلة في الهواء , ثم غادرت الغرفة على عجل , وأثناء الغداء , قررت تيريزا متابعة أسلوب المراوغة والدهاء , أذا كانا يريدان مساعدة سكوت على أيقاعها في شباكه , فسوف تعرف كيف ستتصرف معهما , تظاهرت بأنها تذوب غراما وهياما , وهي تقول لصديقتها:
    " أعذريني , أيتها الحبيبة , على التأخير الذي أقلقك , أما وقد أطلعت على تفاصيل تلك الحادثة المروعة , أفلا تظنين أن اللقاء يستحق كل ذلك العذاب والذعر ؟ أوه, يا له من فارس شجاع رائع! لا شك في أن قلبه توقف عن الخفقان عندما ...".
    " تيريزا , أعتقد أنني ... أظن... أعني أن عليك...".
    " لماذا هذا التلعثم يا ماري؟ حاولي أن تجمعي أفكارك قبل الأدلاء بأي تصريح , والا فأنك ستوقعين جانيس تيريزا بمشكلة مماثلة".
    " حقا ؟ أوه, تيريزا ! أنا لا ... أتلعثم ... دائما . ولكني .... ولكني أريد أن أقول ...".
    " ها قد عدت اليها ثانية , أيتها العزيزة , يا لسخافتي! أنت تشعرين الآن بالقلق , وهذا هو سبب الأنفعال , أعرف ماذا تريدين قوله لي , ولكني أعرف كيف أتصرف بطريقة جيدة , سوف أشكر ذلك الرجل الشجاع... بأسلوب رقيق ناعم , تأكدي من ذلك , يا ماري!".
    أستعدت ماري للتعليق على كلام ضيفتها , ولكن تيريزا سارعت الى تغيير الموضوع وبدأت تحدثها عن طفلتها وتسألها عن كافة أمورها ... لحين أنتهاء الجميع من تناول طعامهم , وعندما حان موعد عودة دان الى عمله , توقف برهة ليذكّر زوجته بأن سكوت ميلوارد سيتناول معهم طعام العشاء , ألتفتت تيريزا نحو صديقتها بعد خروج دان , وقالت:
    " أشعر بالأسف أتجاه السيد ميلوارد , يا ماري , هل تعرفين السبب؟".
    " ما هو السبب, يا عزيزتي؟".
    " أفكر جديا في عرض خدماتي عليه... بالنسبة لمليندا , ألم ينقذ الرجل حياتي ؟ ثم... أليست خبرتي في التمريض عاملا أيجابيا فيما يتعلق بالمؤهلات المطلوبة ؟ لن يرسلها الى المدرسة في الوقت الحاضر لصغر سنها , ولذلك , فهي بحاجة لممرضة وصديقة أكثر من مربية وصديقة أكثر من مربية أو معلمة".
    " لا! يجب ألا.... ألا...".
    " أنت تتلعثمين مرة أخرى, ماذا دهاك يا ماري؟ لم تكوني هكذا في الماضي , أيتها الحبيبة , لا تغضبي , فأنا أمازحك , هل تعنين أن عمري لا يسمح لي بتحمل مثل هذه المسؤولية , كما قال لي سكوت بمجرد وصوله الى المحطة؟".
    " لا , لم أقصد ذلك , ولكن ... أوه , تيريزا ...".
    " لا بأس , يا عزيزتي , سأعرض عليه الفكرة أثناء العشاء , أما الآن , فقد حان موعد القيلولة والراحة , أوه , كم أنا بحاجة أليها! الى اللقاء بعد حوالي ساعتين , أيتها الصديقة الغالية".



  4. #4
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة

    عرض...... وقبول

    أرتدت تيريزا أجمل ثيابها , أستعدادا لمقابلة .... المنقذ الشهم! نظرت اليها ماري بأعجاب ظاهر , فيما قام دان من مقعده تأدبا وأحتراما , حيتهما بغنج وهي تنضم اليهما , ثم راح الثلاثة يتبادلون بعض الأحاديث العادية بأنتظار وصول الضيف الآخر , وفجأة لاحظت بأستغراب شديد أنها تفكر بخطيبها السابق طوال ذلك النهار , هذا لا يعني أنها نسيته , ولكن يبدو أن شخصا آخر يستحوذ على أنتباهها ... شخصا يعتبرها فتاة سخيفة تحتاج الى أحداث مثيرة لتنفض عن نفسها غبار الضجر والملل , حدقت بماري ودان طويلا , ثم سألتهما:
    " بالمناسبة , لماذا وصفني جاركما بأنني المثقفة المدللة؟".
    فتح دان فمه ليعتذر , ولكن زوجته سبقته الى ذلك قائلة:
    " أنا المذنبة , يا عزيزتي , عندما تحدثنا مع سكوت عن وصولك المرتقب, ركزت كثيرا على ماضيك الأدبي والفني , أنت تعرفين بالتأكيد مدى محبتي وأحترامي للأستاذ الكبير , المغفور له والدك , سمعني سكوت مرات عديدة أتحدث عن شخصيته القوية وأفكاره الذكية النيّرة , وأعتقد أنه رسم في مخيلته صورة فتاة لا يهمها شيء في الحياة سوى الفكر والثقافة , هذه لست أهانة , يا حبيبتي , أنا أذكر بوضوح تام كم كنت تفضلين مثلا مكتبة والدك الغنية عن الحفلات والسهرات".
    قبلت تيريزا ايضاح صديقتها برحابة صدر , قائلة أنها فهمت الموضوع الآن على حقيقته , وما أن أنتهت من جملتها , حتى دخل سكوت وحيا دان وماري بود ظاهر , بدا جذابا وأنيقا للغاية , وسرّها بأنه يتأملها بأعجاب , صافحها بحرارة , وقال:
    " أسعدت مساء, يا آنسة ستانتون , كيف حالك اليوم؟".
    " بخير والحمد لله , يا سيد ميلوارد , كيف...".
    تدخل دان قائلا بلهجة مرحة:
    " أوه, لا داع لهذه الرسميات بحق السماء , أسمه سكوت, وأسمها تيريزا".
    أبتسم سكوت وقال لها بصوت دافىء:
    " مرحبا , يا تيريزا".
    حيّته مرة أخرى , مستخدمة أسمه الأول , ولكنها أنّبت نفسها على تلك النعومة التي ظهرت في نبرة صوتها , وحذرت قلبها من التهور والأندفاع , يجب عليها أتخاذ جانب الحذر والحيطة مع هذا...الرجل الساحر الماكر! أخذت كوب العصير من دان , ثم أستدارت نحو سكوت وقالت:
    " أخبرتني ماري عن أبنتك , كيف حالها؟".
    " بخير , شكرا , ولكنها تضايقت كثيرا لعدم أحضارها معي".
    " هل تمكنت من حل اللغز الغامض بالنسبة... بالنسبة الى المربية؟".
    " نعم , أتصل بي الشخص المسؤول بعد ظهر اليوم لأبلاغي بأنها مريضة , ولا يوجد حاليا أي شخص آخر ليحل محلها , أعني ... سيدة تكون لديها المؤهلات الضرورية".
    " كممرضة مثلا؟".
    تدخلت ماري على الفور , قائلة لضيفها :
    " أنا متأكدة من أنك ستجد سيدة أخرى قبل ذهاب فيرا".
    أبتسمت تيريزا وقالت له:
    " ماري قلقة بخصوصك أنت ومليندا , يا سكوت , لديّ عرض أريد مناقشته معك في وقت لاحق , أذا كان الأمر يهمك ".
    دخلت الخادمة في تلك الآونة , وأعلنت للموجودين أن العشاء جاهظ, أمسكت ماري بذراع صديقتها بحدة , وسارت وأياها قبل الرحلين , وأثناء أحاديث العشاء العادية , أغتنمت تيريزا فرصة مناقشة فيلم سينمائي وقالت:
    " أنا أحب أفلام رعاة البقر والفروسية والبطولات , وما حدث معي صباح اليوم يشبه الى درجة كبيرة أحداث أفلام كهذه ,,, أشكرك ثانية , يا سكوت , على ما قمت به , كانت عملية مثيرة للغاية ... وشجاعتك أعجبتني كثيرا وبددت مخاوفي , مع أن السرعة الهائلة أفزعتني في البداية ".
    " يسعدني جدا أنني ذكّرتك بأفلامك المفضلة , يا تيريزا".
    " بما أن الصداقة بدأت تتوطد بيننا جميعا , فلماذا لا أحدثك الآن عن العرض الذي...".
    قاطعتها ماري وكأنها تنهرها :
    " تيريزا ! تيريزا!".
    " نعم , يا عزيزتي ؟ أوه , أعرف أنك ستحذرينني من أن السيد ميلوارد ... سكوت ... سوف يرفض العرض الذي سأتقدم به, ولكنني سأتقدم به, بغض النظر عن النتيجة المرتقبة".

    تطلعت نحوه بهدوء تام, وهي تعلم بالتأكيد أنه سيرفض عرضها . أرادت مشاهدة نظرات الأحتقار والأستهزاء الباردة في عينيه , قبل أبلاغه بأنها كانت تمازحه , قالت له:
    " أنا ممرضة في سنتها الثالثة , وهذا يشمل تدريبا مكثفا في أجنحة الأطفال , أذا لم يكن لديك أعتراض جدي على صغر سني , فأنا مستعدة للأعتناء بمليندا على الأقل لحين ايجادك مربية... أو ممرضة أخرى , وها أنا أتقدم الآن بطلب لملء المكان الشاغر".
    خيّم الصمت طويلا , ولم تظهر في عينيه أو ملامح وجهه أي دلائل على الأحتقار أو الأشمئزاز , ألتفت نحو ربة البيت وقال لها بتأدب:
    " هل تسمحين لما يا ماري , بالذهاب الى قاعة الجلوس لنبحث معا في هذا العرض السخي؟".
    وافقت ماري بصوت مرتعش الى حد ما, متحججة بالذهاب الى ابنتها والأهتمام بها , كذلك ... تذكر دان أمرا هاما في المزرعة , وأعتذر عن أضطراره للذهاب , أصبحا وحدهما... وشعرت تيريزا فجأة بأنها لم تعد تريد أي نظرات أحتقار أو تهكم وسخرية في رد فعله, أنّبت نفسها كثيرا على سوء تصرفها معه, و...
    " هل سيوافق خطيبك الطبيب على عملك في منزل رجل مطلق؟".
    فوجئت بسؤاله الهادىء , فأخذت بعض الوقت لتحليله... قبل أن تشعر بالألم يعصر قلبها , هل تألمت بسبب فقدانها خطيبها , أم نتيجة أعترافه بكل بساطة أنه تخلى نهائيا عن المرأة التي يحبها حتى الجنون؟ رفعت رأسها بشموخ , وقالت:
    "ديريك وأنا لم نعد مخطوبين , كما أنني أستقلت من وظيفتي في المستشفى".
    " حسنا , قبلت عرضك , أتصور أنك تريدين تمضية يوم أو يومين مع ماري قبل ممارستك مهامك الجديدة , هل يناسبك يوم الأربعاء المقبل؟".
    صعقت بموافقته السريعة, فلم تعرف كيف تجيبه أو تعلق على كلامه , أقترب منها, وقال لها بلهجة جافة الى حد ما:
    " من الواضح أن أربعة أيام ليست كافية , لا ألومك , يا عزيزتي , فلك كل الحق بأجازة طويلة , ولكنني في وضع حرج بسبب أستقالة المربية الحالية , سوف تتزوج ... المسكينة ".
    دفعتها السخرية اللاذعة الى الرد بسرعة:
    " ليس كل زواج فاشلا , يا سكوت , أنا خسرت خطيبا وأنت فقدت زوجة , ولذلك فأننا ننظر الى الحياة نظرة قاتمة , أما دان وماري مثلا , فهل هناك أسعد منهما في حياتهما الزوجية؟".
    " أنت شابة في ريعان الصبا , أيتها العزيزة تيريزا , من المحتمل جدا أن تعود المياه الى مجاريها مع خطيبك ... السابق , أو أن تجدي هذا الذي يسمونه حبا مع شخص آخر , وعليه , فلا تقارني بين مشكلتك ومشكلتي , أنا لم أعد شابا في مقتبل العمر ".
    " ولكنك لست عجوزا , يا سكوت , سيزول بعد فترة ., وستفتح أمامك قريبا آفاق جديدة , ثم ... لديك ما يعوضك بعض الشيء عن خسارتك الفادحة... لديك أبنة رائعة تحبها وتسعى لأسعادها , أما الحب بالنسبة اليّ , فهو مجرد أوهام...".
    " لا ترهقيني بالتفاصيل, يبدو أننا أبتعدنا عن موضوعنا الأساسي".
    دخل دان في تلك الآونة وهو يطوق خصر زوجته بمحبة وحنان, ثم سألهما مازحا :
    " ما هي هذه الأمور الجدية التي تبحثانها؟".
    " أوه, أمور جدية للغاية تدور حول قلبين محطمين , وأخشى أيها الصديق , أنني سأخسر موظفة محتملة ".
    كاد الغيظ يفقدها سيطرتها على نفسها , ولكنها أبعدت وجهها عن نظراته الساحرة الجذابة وقالت لماري بلهجة أخفت حقيقة مشاعرها:
    "وافق سكوت , أو بالأحرى السيد ميلوارد , على طلبي ... وسوف أبدأ العمل يوم الأربعاء المقبل , لم ألتق مليندا بعد, ولكنها أذا كانت طيبة وكريمة النفس كوالدها العجوز , فلا داع أبدا للقلق , لا تجزعي , أيتها العزيزة , فسوف أزورك بين الحين والآخر , ما رأيكم جميعا بفنجان قهوة؟".
    أجابها سكوت بسرعة , قائلا بمرح ظاهر:
    " عظيم , وبالمناسبة , يمكنك مناداتي بأسمي الأول ".
    ثم ألتفت نحو دان وماري وقال:
    " أبلغت تيريزا قبل لحظات , وأريدكما أن تعرفا ذلك أنتما أيضا , أن الطلاق أصبح نهائيا – وضعت ماري يدها على ذراعه بمحبة وحنان , قائلة:
    " لا أدري ماذا أقول لك , يا سكوت , ولكنني أعتقد صراحة , وبكل أسف , أن الطلاق في أوضاع كهذه أمر لا بد منه ".
    منتديات ليلاس

    أما دان فلم يتفوه بكلمة واحدة , ألا أن نظرات الصداقة الحقيقية حملت أسمى معاني التعاطف والمشاركة , تدخلت تيريزا على الفور لأشاعة جو من الفرح , فقالت:
    " يا للمفارقة العجيبة! سكوت ميلوارد يستعيد حريته , وتيريزا ستانتون تسعى وراء العبودية!".
    أبتسم سكوت وقال لها :
    " شكرا لك , يا تيريزا... يا شمس الصباح التي تخفف آلالآم وترفع المعنويات".
    أمضى الأربعة بعد ذلك فترة طويلة من المرح والسرور , ولما حان وقت ذهاب سكوت , شكر صديقيه على دعوتهما اللطيفة وطلب من دان أحضار ... الفتيات الثلاث ... بعد ظهر اليوم التالي لشرب الشاي , وبعد خروجه , تطلعت ماري نحو صديقتها وقالت:
    " ماذا فعلت بنفسك , يا فتاة؟".
    " بدأت المسألة كنكتة أردت أستغلالها للأنتقام منه , ومن عنجهيته , ولم أكن أحلم بأنه سيقبل عرضي , وعندما تحداني بالقول أنني قد لا أكون راغبة في البدء خلال أيام قليلة , لأنني أريد التمتع بوقتي , رفضت كرامتي التراجع عن العرض".
    علّق دان على الموضوع بشكل ايجابي للغاية , مثنيا على قرار تيريزا ومؤيدا خطواتها , ثم أضاف قائلا:
    " سيكون سكوت كريما معك فيما يتعلق بالأمور المادية , هل بحثت معه هذا الموضوع؟".
    " لم يخطر ذلك ببالي أبدا !".
    " أذا كنت حقا مصممة على تولي هذه المهمة , فلا مبرر أبدا للقلق , سكوت أنسان طيب , وخاصة عندما يكون الأمر متعلق بأبنته".
    بعد ظهر الأحد توجهت تيريزا مع عائلة صديقتها الى منزل سكوت ميلوارد ... لتجده ينتظرهم في الحديقة الواسعة ومعه أبنته ومربيتها المستقيلة , هجمت مليندا على كل من دان وماري , وعانقتهما بحرارة وشوق بالغين , ثم أمطرت الطفلة جانيس بالقبل , وتحولت نحو تيريزا لتتأملها بدقة وعناية , تم التعارف بسرعة بين المربيتين من جهة , وبين تيريزا ومليندا من جهة أخرى , ابتسمت الصغيرة , وقالت:
    " شعرك , يا تيريزا ,كأشعة الشمس ... وعيناك مثل ... مثل ماذا يا أبي؟ لا , لا تقل , تذكرت ... عيناك كزرقة السماء , تيريزا جميلة جدا , أليس كذلك يا أبي؟".
    " شكرا , يا مليندا , أنت أيضا جميلة جدا".
    أحضر سكوت كرسيا لتريزا , وقال:
    " أخذت عني أبنتي حبها للطبيعة ... وللجمال , أتصور أنكما ستقيمان علاقات طيبة فيما بينكما".
    " لا شك أبدا في هذا الأمر , ولكنني لا أدري ما أذا كنت سأحب وجود والدها قربنا بأستمرار".
    جلس قربها وسألها بصوت رقيق ناعم يحمل بعض التحدي :
    " هل يزعجك وجودي الساحر الى هذه الدرجة , أم انك تستخدمين هذا العذر للتهرب؟".
    يا لجاذبيته الساحرة ! أبعدت وجهها عنه قليلا , وقالت بعنفوان:
    " لست من النوع الذي يتهرب أو يتراجع عن كلمته , كما أنني لست معتادة على أختلاق الأعذار".
    ثم تطلعت بسرعة نحو فيرا , وقالت لها:
    "علمت أنك ستتزوجين قريبا , يا آنسة سميث , أرجو أن تقبلي تمنياتي بمستقبل سعيد وزاهر".
    " شكرا, يا آنسة ستانتون , عمل خطيبي بجد ونشاط مذهلين لنشتري بيتا خاصا بنا , أنتظرنا طويلا , ولكننا حققنا بحمد الله ما كنا نصبو اليه , أنا مسرورة جدا لأنك ستعملين مع السيد ميلوارد, مع أن عمرك ... أعني ... مليندا فتاة طيبة جدا ولكنها...".
    " لا تخافي , يا آنسة سميث , أنا في الحادية والعشرين من عمري , وممرضة في السنة الثالثة , وقادرة تماما على تحمل المسؤولية ... مهما كانت , وعليه , فأنا لست صغيرة كما تتصورين .... وآمل ألا يشاطرك الرأي السيد ميلوارد هذا الرأي!".
    " لا , أيتها العزيزة , فأنا واثق من قدرتك ومؤهلاتك , سوف نبحث التفاصيل في وقت لاحق , لأنني أريد الآن من دان مرافقتي الى الأسطبل لمشاهدة الحصان الذي أبتعته في الآونة الأخيرة , أنه عنيف جدا , ولكنني سأروضه".
    تأملته تيريزا طويلا , وهي تقول لنفسها أنه قادر على ترويض أي شيء بدون تعب أو عناء , وسمعت ماري تعلق على كلامه بالقول:
    " ما من أحد أفضل منك في هذا المضمار , يا سكوتأوه تيريزا , يجب عليك مشاهدة هذا الرجل ممتطيا حصانا , ومن المؤكد أن الدماء ستتجمد في عروقي أذا رأيته مرة يروض حصانا بريا ! لو لم يكن سعيد الحظ لدرجة لا تصدق , لكان دق عنقه منذ فترة بعيدة "
    ضحك سكوت وقال:
    " الأعناق لا تدق بمثل هذه السهولة , أيتها الصديقة المتعطشة للدماء , على الأقل , ليس بالسهولة التي...".
    ابتسمت تيريزا لأخفاء أرتباكها , وقاطعته قائلة:
    " تتحطم فيها القلوب ! ألم يكن هذا ما كنت تنوي قوله؟ لا , لا يجوز أجراء مقارنة بين هذين الأمرين , فالقلوب المحطمة يمكن أن تعود الى سرورها وبهجتها ... مع مرور الزمن".
    أقتربت منها مليندا في تلك اللحظة , وقالت:
    " تعالي , يا تيريزا , لأريك طفلتي الصغيرة , أنها نائمة مثل جانيس , ولذا يجب التحدث همسا... أو حتى الأمتناع عن الكلام لحين عودتنا الى هنا".
    قال لها والدها بلهجة حازمة الى حد ما:
    " سوف تشرب تيريزا الشاي الآن ثم تذهب معك".
    " أبي, أرجوك! أريدها أن تأتي الآن!".
    تردد سكوت قليلا وتطلع نحو تيريزا , فقالت للصغيرة بصوت قوي حنون:
    " على الفتيات الصغيرات الأصغاء دائما لللآباء وأطاعة تعليماتهم , وعليك أنت أيضا تعليم طفلتك على الأستماع اليك, لكي تصبح مثلك تماما.... فتاة طيبة عظيمة".
    شرب الجميع الشاي , ثم ذهبت تيريزا مع مليندا لمشاهدة لعبتها الجميلة التي تسميها أبنتها , لحقت بهما ماري بعد قليل , وقالت لتيريزا عندما التقتا في قاعة الجلوس:
    " أتمنى لو أن سكوت يفعل شيئا بالنسبة لهذه المفروشات والستائر !".
    " أنها فعلا مزعجة ! راودني الشعور ذاته وأنا في الحمام , ورحت أتخيّل التغييرات الهائلة التي يمكن القيام بها فيما لو سنحت لي الفرصة لذلك".
    " ربما تمكنت , يا عزيزتي , من أحداث تغييرات كثيرة ... أذا عرفت كيف...".
    " تذكري أن هذا المنزل يخصه هو , وأنني لست أكثر من مجرد موظفة , ثمة أمر واحد فقط قررت القيام به , ولو كان ذلك على حسابي , وهو استبدال الستائر في غرفة مليندا".
    وقفت ماري وتيريزا بعد ذلك تتأملان الجياد الأربعة , فيما كان دان , وسكوت يتبادلان بعض المعلومات حول الحصان الجديد , وفجأة , أقترب أحد الجياد من تيريزا وراح يداعب كتفها برأسه , أخرج سكوت قطعا من السكر من جيبه , وأعطاها اياها قائلا :
    " يبدو أن أفروست أحبك, يا تيريزا , أطعميه هذه القطع , فهو يحب الحلوى الى درجة كبيرة , أعتبريه حصانك طوال فترة وجودك هنا , عامليه جيدا , فيخلص لك ويطيعك حتى لو أمرته بالقفز الى الوادي".
    حان وقت العودة , ففتح سكوت باب لسيارة لتريزا , وقال:
    " لم نتمكن من بحث التفاصيل المتعلقة بعملك هنا , ولكن يمكنك البقاء مع ماري حتى الأحد المقبل , سأتحدث معك خلال هذا الأسبوع حول الأمور المالية , وأي موضوع آخر يهمك أو تريدن معرفته , هل لا زلت موافقة على الأعتناء بمليندا؟".
    " نعم , يا سكوت , فأبنتك أعجبتني كثيرا".
    " عظيم , لقد كسبنا بذلك نصف المعركة , ومن الواضح أن الأعجاب متبادل ... من جانب مليندا".
    من جانب مليندا قط ! لا بأس , فلديه أسبوع كامل ليعود عن رأيه , وقررت تيريزا أنها ستثبت له , في حال أستخدامها , مدى فداحة الخطأ الذي أرتكبه بحقها , ستبرهن لهذا المتعجرف المتغطرس أنها ليست كبعض النساء الضعيفات... لن تضعف أمامه ... ستواجهه بكل قواها!


  5. #5
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة


    4- الأستعداد للمجابهة

    كانت تيريزا تعمل بجد ونشاط في الحديقة , عندما شاهدت ظل أنسان يتحرك قربها, ألتفتت بسرعة الى الوراء , فرأت سكوت ينحني ليساعدها وهو يقول:
    " مرحبا, أيتها العزيزة , يبدو أنك منهمكة في العمل لقطع دابر الأعشاب البرية المؤذية , دعيني أساعدك".
    كانت وجنتاها محمرتين بسبب الشمس والتعب , ولكن الأحمرار أزداد قوة وترسخا نظرا لوصوله المفاجىء وملامسته ذراعها بطريقة الصدفة , تسمرت في مكانها لحظات طويلة , فأستدار نحوها قائلا بلهجة سكان المنطقة:
    " السيدة لا تحكي اليوم , آسف جدا , سوف ينسحب المسكين ...".
    " طبعا يمكنني التحدث ... أذا أردت ذلك".
    رفع رأسه نحو وجهها الغاضب , وقال بحدة:
    " أذن , أطلب منك بكل تهذيب وأحترام ... أن تفعلي ذلك, لأنني أتيت لبحث الترتيبات الخاصة بعملك".
    ثم وقف قربها, وتابع قائلا بلهجة أكثر نعومة:
    " هل تعلمين أن العمل في مثل هذا الحر الشديد ضار للغاية؟ أنظري الى نفسك... وجهك كثير الأحمرار ... ومتسخ , هيا , أسرعي وأغسلي وجهك , لنشرب الشاي ونتحدث في أمور هامة, ما بك تنظرين اليّ هكذا؟ هل أصبت بضربة شمس؟".
    " تصورت أنك على عجل...".
    " صحيح, ولكنني مستعد للتضحية ... أذا قبلت أستضافتي بعض الوقت , هيا , يا فتاة".
    تأملها وهي تتوجه نحو الباب بعصبية غاضبة , ثم ناداها قائلا:
    "لا تكرهيني الى هذه الدرجة , يا حبيبتي , فالكراهية , على ما يبدو, تجعل طريقة سيرك مثيرة جدا ... وأستفزازية!".
    أستفزازية حقا! كيف يجرؤ على أستخدام كلمة حبيبة؟ ومن يظن نفسه ليطلب منها , كطفلة صغيرة , أن تغسل وجهها؟ ستعرف كيف تواجهه... هذا اللعين! ولكن عليها الأسراع في العودة, والا فأن هذا المتغطرس المتعجرف سيتبعها الى الحمام , ماذا سيردعه؟ أخلاقه؟ تهذيبه؟
    عادت بعد قليل ومعها الشاي, فوجدته مستلقيا على الأرض , تأملت وجهه الجذاب الذي لفحته الشمس , وشفتيه الجميلتين اللتين...
    " شاب وسيم جدا, أليس كذلك؟".
    " جمال الأنسان في أعماله وتصرفاته".
    " آه, هكذا يقولون ! تعجبني فطنتك وكمتك , أيتها الشابة الحلوة".
    " شكرا على هذا الأطراء , كم قطعة سكر تريد , يا سكوت؟".
    " واحدة, شكرا".
    أخذ فنجان الشاي من يدها , ثم دخل فورا صلب الموضوع الذي حضر لأجله قائلا:
    " يمكنك الأستعانة عند الضرورة بخادمة مليندا الخاصة, كليو , أذا أردت زيارة أحد, أو الخروج من البيت لأي سبب أو آخر , تتولى كليو مهمة الأعتناء بمليندا , ولكنني لا أريدك أن تغادري المنزل , ما لم أكن أنا أو مدير أعمالي جيم في الجوار , يجب أعداد ترتيبات محددة كلما أردت مغادرة البيت, هذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة الي".
    " حسنا , سأفعل ذلك ".
    " لنبحث الآن الأمور المالية , هل يمكنني معرفة ما كنت تتقاضين في المستشفى؟".
    أطلعته بسرعة وأيجاز على دخلها الشهري الشامل , بما في ذلك المنح والساعات الأضافية وما شابه , نظر اليها بأستغراب بالغ, وقال:
    " يا له من مبلغ تافه! هل كان كافيا؟".
    " الى حد ما , وخاصة للذين يعيشون في المستشفى".
    " وماذا بالنسبة الى المال الذي ورثته عن والدك؟".
    أجابته بصراحة وبدون تردد :
    " أنفقت معظمه على دراستي , ولكن الباقي يكفيني لمدة سنة تقريبا ... أذا عرفت كيف أتصرف به".
    عرض عليها سكوت مبلغا كبيرا , فأحتجت قائلة أن عملها لا يستحق هذا الدخل المرتفع , أصرّ على عرضه , وقال:
    " أنا لا أعتبره أبدا مبلغا كبيرا , أذا كانت مليندا سعيدة وتتمتع بصحة جيدة ".
    " أذا تبيّن لي أن الخدمات المطلوبة مني لا تستحق دخلا كهذا فسوف أرفضه رفضا قاطعا".
    وقف سكوت , وقال لها باسما:
    "لنترك الجدل حول هذا الموضوع الى وقت آخر , هل أخبرتك ماري عن الحفلة الراقصة التي ستقام في القرية مساء السبت المقبل؟".
    " نعم, وسوف نكون هناك بأذن الله".
    " سيكون من دواعي سروري أن أرافقك ومليندا الى الحفلة".
    " أوه! هل علم دان وماري بهذا .... القرار".
    " لا , ولكنني سأطلعهما على ذلك قريبا".
    " أعتقد أن العرف يقضي أولا بالطلب من السيدة ذات العلاقة , ثم...".
    " هل تسمحين بمرافقة مليندا ووالدها الى تلك الحفلة؟".
    تجاهلت سؤاله اللطيف , وتابعت جملتها بعزم وأصرار:
    " أتصور أنه ليس من المناسب أبدا أن يصطحب رجل ممرضة أبنته الى ... حفلات راقصة وغيرها من...".
    نظر اليها بحدة وقال:
    " لتذهب التقاليد والرسميات الى الجحيم , هل تريدين مرافقتي الى الحفلة؟ تذكري أنك لن تباشري العمل قبل الأحد المقبل , وبالتالي فلن توني مع رب عملك اللعين!".
    طالبها قلبها بالقبول فورا, وأصر عقلها على التروي وعدم الأندفاع وراء العاطفة , ولكن ... لما لا ؟ قالت له بهدوء مزعج :
    " أقبل دعوتك المهذبة جدا , يا سيد ميلوارد ... ربما لأن مليندا بحاجة ماسة لوجود شخص لا يستخدم مثل هذه الكلمات النابية ".
    خيم الصمت بينهما لفترة طويلة , راح كل منهما خلالها يتأمل الآخر ويحلل شخصيته , وأخيرا , قطع سكوت حبل الصمت قائلا:
    " يبدو أنني سأمضي حياتي أعتذر لك عن هذا التصرف أو ذاك , موعدنا تمام السادسة من يوم السبت , الى اللقاء , يا آنسة , تحياتي لماري ودان".
    أخبرت تيريزا صديقتها أثناء العشاء عن زيارة سكوت ودعوته المفاجئة وقالت:
    "تصورا أنه لم يبحث الموضوع معي , بل أكتفى بالقول أنه سيأخذني الى الحفلة! هكذا! أبتسمت ماري رغما عنها , وقالت لصديقتها:
    " هذا هو أسلوبه في المعاملة , ومن النادر جدا أن يبحث أو يناقش , ولكنني أستغرب الى حد ما رغبته في الذهاب الى مثل هذه الحفلات, فهو لا يعير الرقص أي أهتمام يذكر , يبدو , يا عزيزتي , أنه بدأ يميل اليك!".
    " تبا له من المؤكد أنه يفكر بأمور أخرى ... وضيعة!".
    " أنت شابة جذابة جدا , فلماذا لا يحاول الفوز بقلبك قبل أن يختطفه شبان آخرون ؟ أنا واثقة من أنها أمور رفيعة , وليست وضيعة ".
    تدخل دان عندئذ , قائلا:
    " يبدو على الأقل أنه تخلى نهائيا عن حمل مشعل ايلاين , وهذه بحد ذاتها خطوة بالغة الأهمية".
    " لماذا تركته يا دان؟ هل يعقل أن يكون أنزعاجها من هذه المنطقة السبب الوحيد لقرارها؟ هل هي بارعة الجمال؟".
    " نعم, والى درجة كبيرة, لم يحدثني سكوت في هذا الموضوع , ولكنني أعتقد أن ثمة أمرا حدث في العاصمة و...".
    توقف دان عن الكلام , فأكملت زوجته رواية القصة:
    " ذهب سكوت مرة في رحلة عمل لمدة أسبوع , ولكنه عاد فجأة في اليوم الرابع , لم يجد زوجته وأبنته , وعلم أنهما ذهبتا الى العاصمة , تبعهما الى المدينة وعاد في اليوم التالي... ومعه مليندا فقط , لم يعرف أحد ماذا جرى هناك, كما أن سكوت يرفض منذ ذلك الحين التحدث ولو بطريقة غير مباشرة عن سبب أختفاء ايلاين من حياته".
    " حدث هذا الأمر قبل عامين , وراح سكوت بعد ذلك يمضي معظم وقته في المزرعة , ولكنه بدأ يكثر في الآونة الأخيرة رحلاته الى العاصمة , ولا أدري ما أذا كان ذلك بداعي العمل... أو الغرام ".
    " لا تهتمي كثيرا بما يقوله هذا الزوج المحتال يا تيريزا , سوف نمضي سهرة رائعة مساء السبت , خاصة وأن جميع أصدقائنا متشوقون لمقابلتك, أرتدي أجمل ثيابك وتألقي , أيتها العزيزة , لنريهم كيف يكون الجمال الخلاب والذوق الرفيع".

    ذهبت تيريزا صباح اليوم التالي الى تقاطع الطرق لأنتظار سيارة البريد , التي تمر في المنطقة ثلاث مرات في الأسبوع , وفيما كانت تنتظر السيارة شاهدت حصانا يعدو نحوها بسرعة هائلة مخلفا وراءه عاصفة من الغبار , وما هي الا لحظات وجيزة , حتى توقف الجواد قربها وسألتها راكبته الشابة بأنفعال:
    " هل أنت الممرضة:
    "نعم".
    " تعالي معي بسرعة من فضلك, فأختي بحاجة لعناية فورية ".
    " أخبريني بسرعة وايجاز عن مشكلة أختك , وكم يبعد بيتكما من هنا".
    " أنه على بعد حوالي خمسة كيلومترات , أختي أسمها ليلي, وزوجها سام داوت يعمل لدى السيد ميلوارد . ليلي حامل , وأعتقد أنها ستضع مولودها بين لحظة وأخرى , أسمي جورجيا ماسترز".
    " ألا يوجد طبيب في...".
    قاطعتها جورجيا بعصبية وخوف شديدين:
    " أتصلت به فلم أجده في عيادته , لأنه يعالج أحد المرضى في منطقة بعيدة , تركت له خبرا مع خادمه , تعالي معي , أرجوك!".
    ركبت تيريزا وراء الفتاة , بعد أطمئنانها بسرعة لوجود المواد الطبية الأولية , وخلال دقائق معدودة , وصلت الشابتان الى منزل داوت , نظرت تيريزا الى ليلي , فعلمت فورا أنها ستضع مولودها بين لحظة وأخرى , ابتسمت لها مشجعة , وقالت:
    " أنا تيريزا ستانتون, وسوف أساعدك قدر أستطاعتي لتكون الولادة طبيعية وسهلة".
    فتحت صندوق الأسعافات الأولية , فوجدت فيه معظم الأشياء الضرورية , طلبت من جورجيا أحضار بعض الأمور الأخرى , وبدأت تعد نفسها لمساعدة ليلي , دخل رجل طويل القامة وخلع قبعته بيدين مرتجفتين , ثم قال:
    " أنا سام داوت , أيتها الممرضة , لا أعرف كيف أعبر لك عن أمتناني , ليلي ... هل هي ... هل هذا هو وقت...".
    " نعم , يا سيد داوت , ولا داع أبدا للقلق , كل شيء على ما يرام, أطلب من جورجيا أن ترتدي ثيابا نظيفة وتغسل يديها جيدا , فلربما أحتجت لمساعدتها".
    أنهمكت تيريزا في عملها , وكانت جورجيا تنفذ كافة تعليماته وأوامرها بطريقة تثير الأعجاب.
    وعندما رفعت رأسها لدى سماعها صوت سيارة في الخارج , هزت جورجيا رأسها نفيا وقالت:
    " لا , أنها ليست سيارة الطبيب".
    وفي أثناء ذلك , كان سام يسير في الغرفة الصغيرة وقد بدا عليه الأنفعال والتأثر , ولما سمع بعد فترة وجيزة صراخ المولود الجديد , فتح فمه وعينيه مصعوقا وهمّ بالهجوم على الغرفة الأخرى , أوقفه سكوت , الذي وصل قبل قليل , قائلا بلهجة عادية:
    " أجلس , أيها العزيز , سيستدعونك عندما يحين الوقت لذلك ".
    ثم وضع يده على كتف الوالد المتوتر الأعصاب , وأضاف ضاحكا:
    "مبروك , لا شك في أنه صبي عصبي المزاج مثلك".
    دخلت جورجيا في تلك الآونة , وقالت بفرح ظاهر:
    " سام, أنه صبي رائع , ليلي بخير , ولكن الآنسة تطلب منك التربث قليلا لأنهاء بعض الأعمال الضرورية والهامة , يا لها من ممرضة عظيمة , تعرف بالضبط ماذا تفعل! وتصور أنها سمحت لي بمساعدتها ! أكاد أطير من السرور والسعادة !".
    نادتها تيريزا , فلبت النداء بدون تردد , وبعد بضع دقائق , أطلت من الباب وطلبت من صهرها الدخول لرؤية أبنه وزوجته , جففت الممرضة العرق المتصبب من جبينها ووجهها , ثم توجهت الى المطبخ , أستدار نحوها الرجل الذي كان واقفا قرب النافذة , وسألها بصوت ناعم حنون:
    " هل كل شيء على ما يرام , أيتها الممرضة ؟".
    " أوه , أفزعتني يا سكوت ! نعم , كانت ولادة طبيعية جدا والحمد لله , كدت أصاب في وقت من الأوقات بنوبة قلبية , عندما رفضت ليلي أطاعة بعض التعليمات , متى وصلت؟ أوه , كم أشعر بالعطش !".
    حملها سكوت بسرعة , ثم أجلسها على كرسي وقال:
    " أجلسي , أيتها الحبيبة , وسأقدم لك فورا فنجانا من القهوة ".
    وفيما كانت تأخذ الفنجان من يديه , لاحظت أنه يتأمل رأسها وشعرها المعقود فوقه , وسألته باسمة عمّا به , فقال لها ضاحكا وهو يحل تلك العقدة الكبيرة:
    " تبدين كمعلمة قاسية متعجرفة , آه , هكذا أفضل! شعرك كالحرير , يا تيريزا , مليندا على حق , فهو فعلا كشعاع الشمس ".
    وصل الطبيب هيو لاسينغ في تلك الآونة , وحيا سكوت قائلا:
    " مرحبا , سا سكوت , كيف حال ليلي الآن؟ هل خدعها الجنين مرة أخرى ؟ لا يزال أمامها أربعة عشر يوما ...".
    وضع حقيبته على الطاولة , ثم تأمل تيريزا لفترة طويلة وصفّر أعجابا بجمال وجهها و بقوامها , وعندما بدا أن سكوت لن يعرّفه عليها , مضى الى القول:
    "ماذا يجري هنا؟ أبلغني الخادم بضرورة الأسراع الى منزل سام ".
    رفع نظره عنها بصعوبة عندما سمع صوت مياه تغلي , فأبتسم وقال:
    " عظيم , يبدو أن شخصا ما أعد بعض الأمور..".
    وقفت تيريزا أمامه كممرضة محترفة , وقالت:
    "أسعدت صباحا , أسمي تيريزا ستانتون , هل تريد معاينة السيدة دوات؟".
    تبعها الطبيب الى الغرفة , ففوجىء بالوالدين السعيدين يحملان الطفل النائم , أشارت الى سام ليخرج من الغرفة , وقالت للطبيب بلهجة هادئة مهذبة :
    " كانت حالة أضطرارية , يا سيدي , أناممرضة وقمت بواجبي المهني والأنساني , بعدما تأكد لي غيابك عن القرية , أتصور أن كل شيء على ما يرام".
    فحص الطبيب الأم وأبنها , ثم قال لتيريزا :
    " عظيم , عظيم , عملك رائع , يا آنسة , هل من مضاعفات؟".
    " لا توجد أي مضاعفات على الأطلاق ".
    " تيريزا ستانتون ‍ أوه , ألست الشابة التي تزور دان وماري رورك ؟ هل أنت في أجازة؟".
    " لا , فقد أستقلت من عملي".
    " لماذا؟ لأسباب شخصية أو لأخرى تتعلق بالوظيفة؟".
    " لأسباب شخصية , ولكن أسمي لا يزال موجودا في السجلات الرسمية للمرضات".
    " هل تنوين ممارسة التمريض هنا أو في العاصمة؟".
    " ربما في وقت لاحق , لأنني سأعمل أبتداء من يوم الأحد المقبل لدى السيد ميلوارد كممرضة ومرافقة لأبنته مليندا ".
    " أوه ! ليلي , كل شيء على ما يرام , كنت محظوظة جدا لوجود الممرضة ستانتون في مكان قريب . سأراك غدا , أن شاء الله, لو لم تكن أختك كالشبان , لكان بأمكانها مساعدتك في رعاية الطفل , سأتحدث مع سام في هذا الأمر".
    هنأ ليل بالمولود الجديد , ثم أعطاها بعض النصائح الطبية وغادر الغرفة على عجل , تبعته تيريزا الى المطبخ , حيث كان سكوت وسام وجورجيا لا يزالون هناك, وضعت يدها على ذراعه , وقالت له:
    " جورجيا فتاة قديرة جدا , أيها الطبيب , وأنا ممتنة جدا للمساعدة القيّمة التي قدّمتها لي , هذه كلمة حق لا بد لي من الأدلاء بها أمام الجميع".
    رفعت جورجيا رأسها بحدة نحو هيو لاسينغ , وقالت بعصبية بالغة قبل أن تخرج بسرعة وتغلق الباب وراءها بعنف ظاهر:
    " كان بأبمكان أي أنسان بسيط غبي القيام بما قمت به , فلا تتعب نفسك بتوجيه كلمات الثنلء!".
    " أوه! متى ستبح هذه الصغيرة ناضجة وراشدة؟".
    رد عليه سكوت قائلا:
    " أنها في التاسعة عشرة من عمرها , يا هيو , وهي تزداد جمالا يوما بعد يوم".
    " حقا؟ حسنا, يا سكوت , سوف أتتذكر ذلك , سام , تمنياتي الحارة لك ولعائلتك , آنسة ستانتون , شكرا لك على مساعدتك القيمة لنا , هل أنت متأكدة من أنك لن تعيدي النظر في مسألة العودة الى مهنة التمريض؟ نحن هنا بحاجة ماسة الى الممرضات والمؤهلات التي شاهدت نتائجها قبل قليل تثبت...".
    " شكرا, ولكنني مرتاحة الآن الى وضعي الحالي , أما بالنسبة الى السيدة داوت , فأنا مستعد لمساعدتها صباح كل يوم حتى السبت ... أذا كنت ترغب في ذلك".
    تأملها طويلا , فأحمرت وجنتاها خجلا , ثم قال:
    "أسمي هيو ... هيو لاسينغ , وسوف أكون بالتأكيد سعيدا جدا أذا قمت بهذه المهمة وخففت عني بعض المهام والواجبات , الى اللقاء جميعا".
    توجه الطبيب نحو الباب , ثم أستدار نحو سكوت وقال له :
    " يا لك من رجل سعيد الحظ!". منتديات ليلاس
    ودّعت تيريزا الأم السعيدة , وقالت لها أنها ستزورها صباح اليوم التالي , وعندما خرجت الى الحديقة , كان سكوت وسام يتحدثان معا , فيما لم يظهر أي أثر لجورجيا , قررت العودة الى منزل صديقتها سيرا على الأقدام , فسألها سكوت:
    " أين حصانك , يا تيريزا , كي يعيده سام في وقت لاحق ؟ سأوصلك بسيارتي".
    " ليس لديّ أي حصان هنا".
    | أذن كيف أتيت الى هنا ؟ هل مشيت هذه المسافة الطويلة ؟".
    ضحكت تيريزا وقالت للرجلين أن شخصا أختطفها , وبعد أن روت لهما ما حل معها , أنهت قصتها بالقول:
    " تركت قبعتي على ذلك المقعد ,وعليه فأن ماري ستفكر بأحد أمرين... أما أنني هربت مع سائق سيارة البريد , وأما أن أحد الأسود تناول فطورا شهيا".
    ضحك سكوت من أعماق قلبه, وقال:
    " يتحتم عليّ الآن أعادة أختطافك لكي نريح أعصاب تلك السيدة المسكينة ".
    شكرها سام وهي تصعد الى السيارة لتجلس في المقعد الأمامي , فيما توجه سكوت الى الجهة الأخرى وجلس وراء المقود , وما هي الا لحظات وجيزة , حتى كانت سيارته تنطلق بسرعة جنونية , قالت له تيريزا بلهجة جافة الى حد ما:
    " لست مستعجلة الى هذه الدرجة , يا سكوت , هل من الضروري أن أموت بحادث سيارة , لأنني نجوت من الوقوع عن حصانك المجنون في المرة الماضية؟".
    " آسف , يا فتاة , ها قد عدت الى الأعتذار ثانية!".
    ابتسمت بهدوء , ثم أغمضت عينيها وقالت:
    " لم يكن الأعتذار يوما جريمة نكراء , أيها الرجل العزيز , أنه دليل على التهذيب والأخلاق الرفيعة".
    ذهبت تيريزا كعادتها صباح اليوم الثالث لمساعدة ليلي , فوجدت الأم وطفلها بحالة جيدة... والوالد السعيد يختال كالطاووس ويكاد يطير فرحا وسعادة , ولكنها لاحظت أن جورجيا تتفاداها الى درجة كبيرة, وتختفي من البيت كلما حضر هيو لاسينغ ل؟لأطمئنان على الطفل وأمه , لماذا تتصرف على هذا النحو , ولماذا لا تهتم بنفسها؟ أنها جميلة وجذابة , ولكنها لا تكترث أطلاقا بأناقتها ومنظرها , قررت تيريزا أن تباحثها بالأمر , حتى ولو أضطرت للتكلم معها بلهجة قاسية , وعندما واجهتها بجملة أقتراحات ونصائح تهدف الى أظهار أنوثتها , أحنجت جورجيا في بادىء الأمر ثم رضخت ... حتى لمسألة قص شعرها , قائلة:
    " يمكنك قص شعري بكامله اذا أردت ,, فلم أعد مهتمة بشيء , في أي حال , لن يلاحظ أحد هذه التغيرات التي تتحدثين عنها".
    " هل تشيؤين الى شخص معين؟".
    " بالطبع لا , لا!".
    " أخبرتني عصفورة صغيرة أن شخصا ما يعمل في الحقل الطبي , سوف يلاحظ بالتأكيد أي تغييرات".
    رمت جورجيا الفرشاة التي كانت تحملها , وقاطعتها قائلة بحدة:
    " لا تكوني سخيفة! أنا بالنسبة لذلك الرجل طفلة صغيرة بحاجة الى مربية!".
    توجهت بسرعة نحو البيت , ولكنها أستدارت فجأة نحو تيريزا وقالت باسمة:
    "أشكرك على أهتمامك بي, أيتها العزيزة , سأحضر غدا لمساعدتك في أعداد الستائر ".
    تنهدت تيريزا بأرتياح بالغ, وخاصة ؟لأن الفتاة فهمت فورا أشارتها الى هيو لاسينغ , سوف تفرض على سكوت أحضار جورجيا معهما الى الحفلة , رضي بذلك أم لا , وستقنع الطبيب الشاب أثناء السهرة بالأنضمام الى طاولتهم.
    عادت الى منزل صديقتها , وهي تفكر بطريقة لحمل جورجيا على أرتداء فستان عوضا عن قميص وسروال , طلبت المساعدة من ماري , فحظيت بموافقة فورية , وفيما كانت جورجيا تساعدها في اليوم التالي , أخرجت تيريزا من خزانتها فستانا من الحرير الصافي, وقدمته اليها قائلة:
    " سوف أكون سعيدة للغاية , أيتها الحبيبة , لو قبلت هذا الفستان ... كهدية على عيد ميلادك , سوف يبرز فتنتك وأنوثتك الى درجة كبيرة".
    تأملت جورجيا الفستان البرتقالي اللون بأعجاب بالغ وقالت:
    " أوه , يا له من ثوب رائع! لو أرتدته أبسط وأقبح فتاة في العالم, لبدت فيه جميلة جذابة!لا , لا يمكنني قبوله! وبالمناسبة , فعيد ميلادي لن يحل قبل أربعة أشهر من الآن , أنت تفعلين ذلك أنك...".
    " لأنني أريدك أن تقبليه مني بالروح ذاتها التي أقدمه بها, أي بكل سرور ومحبة".
    دخل سكوت في تلك اللحظة , فوقع نظره أولا على جورجيا وهي تتأمل نفسها في المرآة , قال لها بصوت ينم عن أعجاب حقيقي:
    " جورجيا , أيتها العزيزة! سوف تبدين رائعة الجمال داخل هذا الثوب!".
    تدخلت تيريزا على الفور , وقالت له:
    " أوه , سكوت , كم أنا مسرورة لوصولك في الوقت المناسب للتأكد من تنفيذ أتفاقنا بالنسبة للحفلة, من المؤكد أنك دعوت جورجيا للأنضمام الينا , أليس كذلك؟".
    ثم ألتفتت بسرعة نحو الفتاة المذهولة , وقالت:
    " أن لم يكن وجه لك الدعوة بعد , فسوف ... سوف ...! أوه , كنت سعيدة جدا عندما أقترح سكوت ذلك , لأنني ... لا أعرف مليندا ... جيدا".
    نظرت ثانية الى سكوت , وسألته بلهجة تحمل في طياتها الوعيدوالتهديد:
    " هل دعوتها أو لا , سكوت ميلوارد؟".
    وضع سكوت يده على قلبه , وقال لها بصوت يجمع بين الجد والمزاح:
    " تجرحين قلبي ومشاعري بهذا التشكك , الذي لا ضرورة له أطلاقا , كنت ألاحق هذه الشابة الجذابة من مكان الى آخر لأوجه اليها دعوتي المتواضعة , ولكنني لم أجدها الا الآن , تقبلي دعوتي , يا آنستي الجميلة , قبل أن تنفذ تيريزا أنذارها ".
    أعجبها كثيرا رد فعله الأيجابي , فأبتسمت وقالت:
    "آه منكم , يا معشر الرجال! ألم يكن من الأسهل لك أرسال الدعوة بواسطة سام".
    ودعهن سكوت بتهذيب مبالغ فيه , وسار نحو الباب , قالت تيريزا لماري وجورجيا , المنهمكتين في العمل , أنها سترافق الضيف العزيز الى سيارته , وما أن أصبحا خارج الباب , حتى وجه اليها نظرة ساخرة وقال بتهكم واضح:
    " ألا تعرفين مليندا جيدا , أيتها العزيزة ؟ أم أنك يا ترى خائفة من والدها , وأردت وجود جورجيا معك ... للحماية؟".
    " أنت تعرف جيدا أن الدعوة كانت أبنة ساعتها , أنا لست خائفة أطلاقا من مليندا أو والدها , ولكنني أسعى لحمل جورجيا على مخالطة الناس, هل تعتقد أن هيو لاسينغ سيحضر الحفلة؟".
    " أوه , هذا هو السبب أذن ! وزّعت الأدوار بطريقة ذكية جدا... فأنت صانعة الزيجات , والطبيب الشاب هو الهدف , وأنا الوسيط الذي سيدعوه للأنضمام الينا! ولكن , أليس من المعقول أيضا أنك تحضرين جورجيا لكي أتلهى بها عما يجري حولي؟".
    لم تحاول تيريزا الأعتراض على أشارته الى أحتمال أهتمامها بالطبيب وقالت له:
    " أنصحك بألا تحاول اللعب معها طالما أنها في عهدتي , في أي حال , أعتقد أنها معجبة به... مع أنه يعاملها كطفلة صغيرة".
    " لماذا تريدين مطالبة هية بأعتبار جورجيا شابة , والأصرار عليّ أنا بالأبتعاد عنها كأنها طفلة صغيرة؟ كم تشعرني كلماتك هذه بأنني من مخلفات الماضي!".
    ثم أضاف بلهجة تتسم بالمرارة والأسى:
    " أنت وأنا نناسب بعضنا جيدا , من حيث القلوب المحطمة والنفوس المعذبة ... والحب الذي لا يدوم طويلا".
    " لا يا عزيزي السيد ميلوارد , فالحب الحقيقي لا يزول بسرعة ".
    ثم هبّت واقفة , وأضافت قائلة:
    "سأذهب الآن للأهتمام بشعر جورجيا , وأراهنك منذ هذه اللحظة أن جميع الرجال الذين سيحضرون حفلة السبت , بمن فيهم العجائز مثلك , سوف يذوبون أمامها ,شكرا على قبولك الدعوة التي فرضتها عليك , كنت رائعا

    أخذ دان زوجته وأبنته في وقت مبكر من مساء السبت , لأنه عضو في اللجنة المشرفة على تلك الحفلة السنوية , وظلت تيريزا وحدها في البيت ... بأنتظار سكوت وجورجيا.
    تأخّر مديرها الجديد كثيرا , وأكتفى عند وصوله بألقاء تحية عادية جدا , أحسّت بخيبة أمل لا مبرر لها , عندما لم يشر من قريب أو بعيد الى جمالها وأناقتها , ردت التحية بلهجة مماثلة , فيم أمسك بذراعها وسار وأياها نحو السيارة , نزلت جورجيا من الباب الأمامي , فأبتسمت تيريزا بأرتياح بالغ , وقالت:
    " جورجيا , أنك رائعة , أليست كذلك , يا سكوت؟".
    " بطريقة مذهلة , وخلابة , ولا تصدق!".
    ألقت جورجيا نفسها على المقعد الخلفي , وكأنها تقفز الى ظهر حصانها , وما أن همت تيريزا بالجلوس مكانها , حتى سمعت صوتا ناعما يسألها :
    " تيريزا , هل سترقصين مع أبي؟".
    " مرحبا يا مليندا , أوه , يا له من فستان جميل!".
    " هل سترقصين معه في الحفلة؟".
    " نعم , سأفعل ذلك , أذا دعاني الى الرقص بطريقة مهذبة ".
    " وهل ستددعوها بطريقة مهذبة , يا أبي؟".
    " نعم, يا حبيبتي , أجلسي الآن بالشكل المناسب , كيلا يضرب رأسك بالمقعد الأمامي".
    " أذا كنت تشعر بأي صداع , يا أبي , فسوف تقبلك تيريزا لأراحتك من الألم , ستكون أنفع لأنها ممرضة".
    " أنا بخير يا ملاكي , ولكنني مستعد تماما لتحمل أي أوجاع أذا وافقت تيريزا على معالجتي وفقا لطريقتك المفضلة".
    " يا لك من رجل يحب الغنج والدلال, أنك تشبه تيوثي!".
    ألتفت سكوت نحو تيريزا باسما, وقال:
    " تيموثي هو هرها المدلل!".
    ثم ضحك , وأضاف قائلا:
    " بعيدا عن أحاديث الأوجاع والوسائل الحديثة لمعالجتها , أريد الأعتذار منك على هذا التأخير المزعج , أضطررت في آخر لحظة لمساعدة بقرة حامل لم يعجبها الأنتظار حتى الصباح , أنت ممرضة وتعرفين كم تطول بعض هذه الحالات الطارئة".
    أستقبلهم دان بمرحه المعتاد , وطلب من تيريزا على الفور مرافقته في جولة للتعرف على أصدقاء العائلة, بدا الخوف على وجه جورجيا وهمّت بالأنسحاب , ولكن سكوت وضع ذراعه على كتفها ومنعها من ذلك, ولما عادت تيريزا بعد حوالي ربع ساعة , لاحظت أن سكوت لا يزال واضعا ذراعه على كتف جورجيا ... التي كانت عيناها تلمعان بهجة وسرورا , هل هي سعيدة بنظرات الأعجاب الشديد من هذين الشابين الوسيمين الواقفين قربها , أم بالذراع القوية التي تطوقها؟ أرتعش جسمها بعصبية عندما خطرت هذه الفكرة على بالها.
    ولكنها سرعان ما طردتها من رأسها , بمجرد رؤيتها هيو لاسينغ يقترب منهم , آه , ها هو الآن في طريقه الى عروس المستقبل ! ولكنه حيا سكوت وجورجيا بشكل عابر , ثم أمسك بيدها وقال بحماس ظاهر:
    " آنسة ستانتون , كم أنا مسرور بمشاهدتك! أنها حقا لمعجزة! هل أحضرتها أنت , يا سكوت؟".
    ثم وجه أبتسامته العريضة نحو جورجيا , وقال :
    " مرحبا, أيتها الشقية الصغيرة, من أرغمك على الحضور الى هذه الحفلة؟ لا شك في أنه شخص لا يعير حياته أي أهتمام حقيقي! ".
    شعرت تيريزا برغبة قوية لتوجيه صفعة الى وجهه اللعين , توقظه من سباته وتفتح عينيه على جمال جورجيا وجاذبيتها , سحبت يدها من يده بسرعة عندما أنتبهت الى نظرات سكوت القاسية , وسمعته يقول:
    " يسعدني الليلة أن أرافق ثلاثا من أجمل حسناوات هذه المنطقة وأكثرهن رقة ونعومة".
    أنقذت مليندا الموقف في تلك ألاونة , بهجومها على طبيبها الحبيب... الذي حملها بمحبة وحنان وأثنى على فستانها الجميل , تألمت جورجيا كثيرا, لأنها كانت الوحيدة التي لم يوجه اليها هيو أي كلمة أعجاب أو أطراء , حاولت الأبتعاد , ولكن سكوت ضغط على كتفها ومنعها من التحرك , أبتسم هيو , وقال له:
    " آمل في ألا تكون أنانيا وتصر على الأنفراد بهن وحدك , فحتى أنت , أيها العاشق الكبير , لن تتمكن من الأهتمام بهن بدون مساعدة , وبما أنك أخترت على ما يبدو الآنسة الواقفة قربك, فأنني أرى لزاما علي! ... لا بل من دواعي سروري وبهجتي... الأهتمام بالآنسة ستانتون".
    ثم أحنى رأسه أمامها , ومد ذراعه قائلا:
    "هل أتشرف بمرافقتك , يا تيريزا؟".
    نظرت الى سكوت مناشدة أياه الأعتراض أو الأحتجاج , ولكنه لم يهب لمساعدتها كما توقعت... أو بالأحرى تمنت, وللمرة الثانية خلال دقائق معدودة , أرادت أن تصفع رجلا, لماذا لا يرفع ذراعه عن كتف جورجيا ؟ لماذا يريد أفساد خطتها الرامية الى الجمه بين هذه الفتاة والطبيب الذي يعجبها؟ سارت مع هيو نحو المائدة الطويلة , وهي تقول لنفسها أنها ستعيد الأمور الى نصابها قبل أنتهاء السهرة , نعم , ستفعل ذلك قبل العودة الى البيت.
    " جورجيا فتاة جذابة للغاية , يا هيو , ألا تعتقد أنها تبدو الليلة ذروة في الجمال والروعة؟".
    " لا بأس بها أطلاقا , وأقر بأنني فوجئت بهذا التحول الكبير, أنت أيضا , أيتها الحبيبة , تبدين رائعة الجمال".
    تعمدت تيريزا تجاهل الشق الثاني من جملته ,وسألته دون تردد :
    " لماذا أذن لم تقل لها ذلك؟".
    " وهل كان مفترضا بي أغراقها بكلمات الأعجاب؟".
    " لا , ولكن القليل من الأطراء يفرح قلوب الفتيات ... وقد نلت ومليندا القسط الوافر منه أمام عينيها".
    " تثنين على تصرفي معك, وتنتقدين موقفي منها! في أي حال , يبدو أن سكوت يقوم بهذه المهمة على خير وجه , هل تعتقدين أنهما على وشك أقامة علاقة غرامية؟".
    " لا تكن سخيفا , يا هيو, لو أراد سكوت أقامة مثل هذه العلاقة مع جورجيا , لفعل ذلك منذ زمن بعيد, كل ما في الأمر أنها خائفة بعض الشيء من السهرات والساهرين , وتشعر بحاجة ماسة لمن يرافقها ويشجعها".
    " أعتقد أنني فهمت الآن سبب أختفائها المتكرر , و...".
    قاطعته تيريزا بحدة وأنفعال قويين , وهي تعجب لهذا الأندفاع في الدفاع عن سكوت:
    "هذا كلام رخيص وخسيس , يا هيو لاسينغ ! تذكّر أن سكوت متزوج ... كان متزوجا , وأنه حسبما أرى ليس من ذلك النوع الذي...".
    " أوه , تيريزا ! آسف! لم أقل هذا الكلام الا لأغاظتك , لأنك تكونين جميلة جدا عندما تغضبين , ثم... لماذا نزعج أنفسنا بالتحدث عن سكوت وجورجيا ؟ لماذا لا نتحدث عن يعضنا ... ثم نأكل , ونرقص معا طوال الليل؟".
    شعرت تيريزا بوجود شخص وراءها , فتأكد لها على الفور أنه سكوت ميلوارد , وضع يده على كتفها , وقال :
    " تبعث لك ماري بأحر تحياتها , وتدعوك الى العشاء".
    أرتعش جسمها بسبب ملامسته لها, وأستدارت نحوه بسرعة وكأن قوة غامضة جذبتها بعنف لا يقاوم , كانت عيناه تقدحان شررا, وشفتاه تفتران عن أبتسامة غاضبة, نظر الى الطبيب , وقال له بهدوء يشبه النار تحت الرماد .
    " أنت مدعو للأنضمام الينا, يا هيو , هيا, يا تيريزا! وأمسكي ذراعي كيلا تقعي ... مع أنني متأكد من أستعداد الطبيب المتفاني لمعاينتك أذا وقعت وكسرت ساقك مثلا , لا سمح الله".
    ضحك هيو وقال له:
    " أرح أعصابك , ي سكوت , فلن أحاول أختطاف هذه الشابة الجميلة منك ... مع أنني أحب ذلك كثيرا , ثم ... ألم تقدم لي مساعدة لا تنسى بالنسبة للسيدة داوت , وقد أحتاج الى مساعدتها مستقبلا؟".
    رحبت بهم ماري وأجلست هيو قرب جورجيا , فيما جلس سكوت بين أبنته ومربيتها الجديدة .
    لاحظت تيريزا أن دان وماري رورك وسكوت ميلوارد يحظون بشعبية قوية في تلك المنطقة , وأن طاولتهم تجذب معظم الساهرين ... وخاصة لوجود صبيتين جميلتين غير مرتبطتين بأحد.
    كان سكوت يهتم بها شخصيا , ولكن بطريقة رسمية جدا تتعارض الى درجة كبيرة مع تصرفاته الطبيعية الى أبعد الحدود مع الآخرين.
    ذهبت مع صديقتها بعد العشاء الى الغرفة المخصصة للحضانة, وأطمأنتا الى وجود جانيس ومليندا , ومع بعض الأطفال الآخرين , تحت أشراف ثلاث سيدات مسنات تبرعن للأهتمام بالصغار ورعايتهم طوال فترة الحفلة , ولما عادتا , لاحظت تيريزا بأرتياح أن هيو يراقص جورجيا... التي بدت في ذروة السعادة , وقف سكوت ودان , والرجال الثلاثة الذين كانوا معهم , تأدبا وأحتراما , أخذ دان زوجته فورا الى حلبة الرقص , فأعتذر الرجال من سكوت وتيريزا وتركوهما منفردين , قدم لها سيكارة , فأخذتها منه بيد مرتجفة , وبعد فترة طويلة من الصمت ومراقبة الراقصين , قال لها سكوت:
    "أعتقد أن علينا الأنضمام الى الآخرين , هل أنت مستعدة؟".
    وقفت بتردد , فما كان منه الا أن أمسك بذراعها وضغط عليها قائلا بحدة:
    " تذكري , يا آنسة ستانتون , أنني عندما أدعو شابة للخروج معي فلا أتوقع منها أن تختفي مع رجل آخر بمجرد وصولنا , واضح؟".
    " لا أذكر أبدا أنك دعوتني الى هذه الحفلة , بل قلت لي أن عليّ مرافقتك اليها , كذلك فمن المحتمل أن الأهتمام الشديد الذي أبديته أتجاه جورجيا , حمل هيو على الأعتقاد بأنني لست مرتبطة بك... وهذا هو الواقع , في أي حال".
    " أنت مرتبطة بي هذه الليلة , وأريدك أن تتذكري ذلك جيدا , أعلمي أيضا أن أساليبك الملتوية للجمع بين هيو وجورجيا سوف ترتد عليك, لأن الرجل على ما يبدو مهتم بشابة أخرى , ألا تعرفين أنك عندما توجهين مثل هذه النظرات المغرية والمثيرة نحو رجل , فأنه ينسى بقية العالم حوله؟".
    " وهل هذا هو شعورك انت أيضا؟".
    اللعنة ! كان تلهفها لمعرفة الجواب أسرع من عقلها وفكيرها! توقف سكوت فجأة وتأملها بعض الوقت , قبل أن يقول لها بصوت لم يحمل في طياته أي غضب أو أنفعال.
    " المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين , وعليه , يمكنك التأكد من الآن من أنني لن أنسى العالم وجماله لأجل عينين تضجان غنجا وأغراء... وخاصة مثل هاتين العينين اللتين أكتشف خطيبك السابق أنهما لا تستحقان الثقة والأخلاص , هكذا حدث معي عندما...".
    " هل تحكم على غالبية الناس , يا سيد ميلوارد , نتيجة خبرتك مع الأقلية؟ وماذا تعرف عن شؤوني الخاصة , يا رجل؟".
    تحولت قساوته فجأة الى رقة وحنان وقال لها بلهجة صادقة:
    " أعذريني يا تيريزا , بحق السماء , كلامك صحيح تماما بالنسبة للأمرين معا , أرجو قبول أعتذاري المخلص عن هذا التصرف غير اللآئق أبدا والذي ظهر مني".
    " أعتذارك مقبول , يا سكوت , لكن ... لا تتسرع مستقبلا في أصدار أحكام على ضحاياك قبل الأستماع الى وجهات نظر المدعي عليهم".

    " أنا حقا آسف , يا تيريزا . ربما أردت يوما ما أطلاعي على معضلتك وأسبابها , فكشف المشاعر في كثير من الأوقات يخفف الى حد بعيد من عذاب النفس وآلامها".
    تنهدت تيريزا وقالت له بلهجة ناعمة:
    " تتحدث بحكمة لا تطبقها على نفسك , يا سكوت, فلو قمت يوما بما أقترحته عليّ الآن , لأكتشفت أن هذه المرارة التي تكاد تحرق قلبك وعواطفك سوف تذهب مع الريح ... والى الأبد".
    لم يعلق على أقتراحها بشيء, ولكنه قال لها عندما دخلا قاعة الرقص:
    " لنضع أحزاننا جانبا ونتمتع بوقتنا قدر الأمكان , بين ذراعي الآن فتاة جميلة , والليلة منيرة ساحرة , والموسيقى حالمة , وأنا أرغب في القضاء على الذكريات المؤلمة , هل تضعين يدك في يدي لتحقيق ذلك, يا تيريزا؟".
    " بكل سرور".
    أعجبها أسلوبه في الرقص , وشعرت بكثير من الأرتياح بين ذراعيه , وبعد مضي فترة من السهرة , يدأت تيريزا تحس بأقترابه منها قبل سماع صوته , أذهلها هذا الأحساس وأفزعتها هذه المشاعر , ولكنها قررت التمتع بوقتها الى أقصى حد , راقصها هيو مرات عديدة , في حين أن سكوت لم يراقص أحدا غيرها , أما جورجيا , فكانت تتنقل بسرور ... وحياء من شاب الى آخر , توقفت الموسيقى فجأة لكي يرتاح أعضاء الفرقة بضع دقائق , فأقترب سكوت من تيريزا وهيو قائلا:
    "حان الوقت للخروج الى الحديقة وتنشق الهواء النظيف , يكاد الدخان هنا يعمي الأبصار , تفضل معنا يا هيو".

    وفي الخارج , التفت الطبيب الشاب نحو تيريزا وقال:
    " هل تعرفين أن الصغيرة جورجيا غريبة الأطوار ؟ تعبت كثيرا لأحملها على الكلام...".
    " أنها خجولة جدا , يا هيو , وتحاول أخفاء ذلك بالتظاهر بالجدية وعدم الأهتمام , ثم... أريدك أن تتوقف عن وصفها بالفتاة الصغيرة , فهي شابة صبية وأنت لا تكبرها الا بخمس سنوات, أيها الطبيب العجوز!".
    " آه , أنت على حق, فتلك الجدية المصطنعة ذابت الى درجة كبيرة عندما حدّثتها عن الطبابة والتمريض , ولكنني لا أتصور أنها...".
    " دع التصور لها, يا هيو, كانت مساعدتها لي أثناء ولادة ليلي قيّمة جدا , وأعتقد أن تصرفاتها التي تسمونها صبيانية تخفي وراءها طبيعة عاقلة وحساسة..".
    قاطعها سكوت, قائلا بصوت ناعم ساخر:
    " المحللة النفسية القديرة!".
    لم تأبه بملاحظته , بل مضت الى القول بلهجة قوية:
    " كنت سأحدثك عن مؤهلاتها المحتملة في هذا المجال , أما أذا قررت عدم التخلي عن مواقفك المتكبرة والسخيفة بالنسبة الى سنها, فأنني سأبحث لها عن عمل في مكان آخر".
    ابتسم سكوت , وقال لجاره المذهول :
    " أحذرك , أيها الطبيب العزيز , من الوقوع في شرك تنصبه لك جارتنا الجميلة ... ذات الكلام المعسول".
    " لا تسمع كلامه , يا هيو , قل لي بربك , هل تبدو جورجيا الليلة كأحد الشبان... كما يحلو لك وصفها؟ تأملها بدقة وعناية , ولاحظ كيف يحيط بها شبان من خيرة أبناء المنطقة... ويعتبرونها قمة في الجمال ... والأنوثة , ولكن عجوزا مثلك لا...".
    " أنا لست عجوزا و...".
    " أذن فسوف تطلب منها بطريقة مهذبة تليق بالراشدين أمثالك أن تعمل كمساعدة لك, ستدفع لها جيدا وتعاملها كشابة تستحق هذه الوظيفة , هل ستفعل ذلك , أيها الطبيب؟".
    تردد هيو لحظة , ثم قال لها بصوت هامس تقريبا:
    " أذا كنت توصين بذلك, أيتها الممرضة".
    " من صميم قلبي, شكرا لك, هيو , وأؤكد لك بأنك لن تندم على هذه الخطوة".
    هم هيو بالذهاب , وهو يتمتم بعض كلمات تيريزا عن العمل والمعاملة , سألته عما أذا أتى الى الحفلة بمفرده , وعندما رد عليها بالأيجاب , قالت له:
    "أذن , فأنا واثقة من أنك قادر على أيصال الآنسة ماسترز الى بيتها , ستحتاج مليندا الى المقعد الخلفي لتنام في طريق العودة , وسيكون سكوت ممتنا لك...".
    " أوه , نعم , يا هيو , شكرا".
    " بكل سرور , ولكن... بما أن منزل جورجيا قريب من منزلك , يا سكوت , فما رأيك لو أخذتها أنت في حين ...! لا, لا ... سأذهب الى قدري! الى اللقاء".
    ابتسمت تيريزا بأرتياح بالغ, ورددت كلمة قدر مرات عديدة , ضحك سكوت , وسألها بنعومة ما أذا أشتركت كثيرا في السابق بمثل هذه الألعاب التي تتعلق بحياة الأنسان ومصيره".
    " أنها المرة الأولى, يا سكوت".
    " ولكن , ألا تعتقدين أنك على عجلة من أمرك؟ أليس ممكنا أن يبتعد هيو عنها ... نهائيا؟".
    " أضرب حديدا حاميا , أذا أعطينا جورجيا فترة للتفكير , فسوف تخاف وتتراجع الى قوقعتها , سيتمكن هيو الآن من وضع حد لذلك, بدعوتها للعمل معه, وعليه , فلن تتصور أبدا أن الغرام سيكون جزءا لا يتجزأ من هذه الصفقة".
    أوصلها سكوت الى منزل صديقتها , فقالت له:
    " أمضيت سهرة رائعة جدا , يا سكوت , والفضل عائد لك , شكرا".
    " هذا من دواعي سروري , يا آنستي العزيزة".
    أمسك بيدها وأقترب منها كثيرا , فشعرت بوجود صراع قوي يتفاعل في أعماقه , هل يريد عناقها ؟ أغمضت عينيها وأعدت نفسها لذلك , ولكن لحظات طويلة مرت لم تسمع خلالها سوى دقات قلبها , نظرت اليه , فرأته يبتسم ثم يقول:
    " كان من الممكن جدا أن تكون سهرة ممتعة , ولكن ... لنترك الأمور الى وقت آخر , أريد فقط التأكد من حضورك غدا ".
    " لا تطلق العنان لخيالك وتصوراتك , يا سكوت ميلوارد , كنت ستصاب بخيبة ؟أمل شديدة , فيما لو مضيت في خطوة توقعتها ... سهلة".
    نزل من السيارة وأستدار حولها ليفتح الباب الآخر , هل يميل اليها , يا ترى؟ وقف أمامها , فأحست بضعف وأرتعاش قويين في قدميها ورجليها , سألها بلهجة جافة وباردة:
    " هل أحضر غدا لآخذك؟". منتديات ليلاس
    خرجت من السيارة ورفعت رأسها بعنفوان , ثم قالت:
    " يمكنك الحضور بعد الغداء , أذا كان ذلك يناسبك".
    " نعم يناسبني , شكرا".
    كانت سهرة رائعة للغاية , فلماذا أفسدها بهذه الملاحظات المتغطرسة والساخرة الفارغة؟ كيف ستعيش مع هذا الرجل في بيت واحد؟ ستكون قوية وستجابه جاذبيته القاتلة! سوف تتجنبه قدر الأمكان! نعم, هذا ما ستفعله!



  6. #6
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة

    - لست موظفة , بل صديقة
    جلست تيريزا مع دان وماري في الحديقة ... بأنتظار وصول سكوت , هل سيتصرف معها بطريقة ودية , أم بأسلوب ساخر قاس كما فعل في الليلة السابقة؟ يا له من أنسان مزاجي , يتحول بين لحظة وأخرى من رجل لطيف ورقيق القلب الى شخص متعجرف وسليط اللسان!
    أحست فجأة بتعاطف مع ايلاين , فالحياة مع سكوت صعبة ومرهقة , ساعة يرفعك الى السماء , وساعة يدفنك في باطن الأرض , ولكن, لماذا تتعب نفسها بمثل هذه الأفكار ؟ هل لأنها على وشك الدخول الى عرين الأسد , أو لأنها ...؟ في أي حال , هي ليست زوجته... ولا مبرر أذن لهذه التصورات المزعجة ! منتديات ليلاس
    وصل سكوت ومعه ابنته , التي كانت تقفز فرحا وسرورا , شرب الجميع عصير البرتقال المثلج , وتبادلوا بعض الأحاديث الودية .
    عانقت تيريزا كلا من ماري ودان وشكرتهما على حسن ضيافتهما , ثم صعدت بتردد الى سيارة سكوت , وما أن أبتعدت السيارة قليلا, حتى لوحت لهما بيدها ... وقد بدأت تشعر بالوحدة , ولكن أعصابها أرتاحت الى حد كبير , عندما لاحظت أن تصرفات سكوت كانت طبيعية وعادية.
    وفي الطريق الى منزل ميلوارد , أوقفتهم جورجيا وقالت للشخصين الجالسين في المقعد الأمامي بعد السلام على مليندا :
    " شكرا لتوقفك , يا سيد ميلوارد , كل شيء على ما يرام , والجميع بخير , تيريزا أتمنى لك التوفيق في مهمتك الجديدة وأريد تقديم هذه الباقة الصغيرة من الأزهار لك عربون محبة وتقدير , كذلك , أردت أبلاغك أن هيو ... الطبيب لاسينغ ... طلب مني مساعدته في العيادة , لا أعرف ماذا سأفعل , ليلي تشجعني كثيرا على قبول الوظيفة , ولكنني أود بحث الموضوع معك , هل يمكنني زيارتك غدا؟".
    " طبعا , يا عزيزتي , وأنا متأكدة من أن سكوت لا يمانع أبدا ...".
    نظرت اليه بتردد قبل أكمال جملتها , وقد أدركت فجأة أنها أصبحت منذ اليوم موظفة لدى هذا الرجل , أبتسم سكوت بحرارة لجورجيا , وقال لها:
    " أفعلي ذلك , يا جورجيا , متى أردت ".
    ثم ألتفت الى تيريزا , وأضاف مداعبا:
    " لا مبرر أبدا للأستذان مني , فميلندا بحاجة للمزيد من الوجود النسائي ".
    " شكرا , يا سيد ميلوارد , الى اللقاء أذا, يا تيريزا , وأنت أيضا , أيتها الحبيبة مليندا- عاد سكوت الى التحدث ثانية مع تيريزا , وكان صوته هذه المرة أكثر نعومة ورقة , وقال:
    " تيريزا , أرجوك ألا تزعجي نفسك بسؤالي كل مرة تتوقعين فيها زيارة أحد لك, أريدك أيضا أعتبار منزلي كأنه لك , طالما أنت فيه , أنك تقدمين لي خدمة عظيمة برعايتك فتاتي المدللة , لا تفكري بي كرب عمل , بل ... كصديق ووالد ممتن لك".
    " شكرا لك يا سكوت , سأفعل ذلك , كما أنني سأكون حذرة بالنسبة الى عدد الأصدقاء ... ونوعيتهم".
    أخذت ميلندا الى غرفتها , فيما أهتم سكوت بأنزال الحقيبتين والأغراض الصغيرة الأخرى التيأحضرتها معها , لم تهتم تيريزا كثيرا بالأثاث , الذي بدا زينا ومهملا الى حد ما , بل وقفت أمام النافذة الكبيرة تتأمل بأعجاب ظاهر المنظر الرائع الذي تطل عليه , دخل سكوت , ثم قال بعد لحظات:
    " رباه, لم أكن أعرف حتى الآن مدى تعاسة هذه الغرفة , أستبدلي هذه الستائر , أن لم تعجبك , وحددي لي كافة الأمور التي تريدين تغييرها كي أحضرها لك خلال هذين اليومين , سنشرب الشاي على الشرفة , عندما تصبحين جاهزة لذلك , يبدو أن فيرا وخطيبها تأخرا في نزهتهما , فالعاشق المسكين يتحرق شوقا لأنتزاعها من بين أيدينا".
    خرجت تيريزا الى الشرفة بعد بضع دقائق , فرأت سكوت يتحدث مع فيرا ... والخطيب المسكين الذي بدا في ذروة السعادة , وقفت فيرا لتحيتها , وقالت:
    " آسفة , يا آنسة ستانتون , لأنني لم أكن هنا لمساعدتك , سمح لي السيد سكوت مشكورا بالذهاب فورا , كي نصل الى العاصمة قبل منتصف الليل , هل أنت على معالجة الأمور بمفردك ؟ أعني بالنسبة الى عشاء مليندا ... وحمامها ... وثيابها ....".
    " وهل نسيت أنني ممرضة , يا آنسة سميث ؟".
    " أبدا , يا عزيزتي , وأعرف ظايضا أن الممرضات عادة يجدن طريقهن بكل سهولة , أعددت طبقا خاصا لعشاء مليندا , ستجدينه في المطبخ".
    " أوه , وهل تعدين لها جميع وجباتها؟".
    " لا ... أطلب من الطاهي أو الخادمة أعداد الوجبة التي أريد , ولكنني أحب أعداد هذا الطبق الخاص بنفسي".
    تدخلت مليندا عندئذ , لتقول:
    " وأنا أكرهه كثيرا , يا تيريزا".
    غادر الخطيبان منزل ميلوارد بعد ساعة تقريبا , شاكرين سكوت على هديته المالية الكريمة , تمنى لهما الثلاثة زواجا سعيدا وحياة رغيدة , وساروا معهما حتى الباب الخارجي.
    " هل تريدين , يا مليندا مساعدتي في ترتيب حاجياتي؟ أعذرنا يا سكوت".
    " لست بحاجة للأعتذار من أبي , يا تيريزا , فهو أيضا يقيم هنا".
    " يقضي التهذيب واللياقة بذلك , يا حبيبتي , حتى ولو كان والدك ... ويعيش معك في بيت واحد ".
    " أذن , أعذرنا , يا أبي , فلدينا أعمال كثيرة ".

    بحثت تيريزا عن سكوت في وقت لاحق , لتسأله عما تفعل بالنسبة الى نوم أبنته , وعندما لم تجده , أخذت الفتاة الى الحمام ثم أطعمتها وذهبت معها الى غرفتها , نامت الطفلة خلال دقائق معدودة , فقررت تيريزا التوجه الى قاعة الجلوس, ألتقاها سكوت في بداية الممر الطويل , وقال:

    " أنها لا تذهب الى النوم في مثل هذا الوقت المبكر , وقبل الحديث الذي نتبادله معا كل مساء أكون فيه هنا".
    " ليس هذا الوقت مبكرا أبدا بالنسبة الى فتيات في سنها , كما أنها كانت مرهقة جدا وبحاجة الى النوم". منتديات ليلاس
    " نسيت تماما أن خادمتها اليوم في أجازتها الأسبوعية , مما أضطرك للقيام بجميع هذه المهام التي ليست ضمن عملك , أرجو ألا يفزعك ذلك ويحملك على أعادة النظر في...".
    " لا تكن سخيفا...".
    توقفت عن أتمام كلامها , عندما أدركت أن هذه ليست بالطريقة التي يخاطب بها رب العمل , ابتسم سكوت, وكأنه قرأ أفكارها , ثم قال:
    " نعم, يتحتم عليك أحترام رب البيت! لنتكلم الآن بجدية , يا تيريزا ... أوه , هل يفترض بي الآن أستخدام كلمة ممرضة أو آنسة أو أخت عندما أناديك أو أخاطبك؟".
    ضحكت تيريزا , فمضى الى القول:
    " كليو هي التي ستقوم بكافة الأعمال الخاصة بمليندا ... مثل الحمم , وغسل الثياب , وأعداد الطعام, مهمتك أنت محصورة بالأشراف على هذه الأعمال , والتركيز بشكل أكبر على الأهتمام بصحة مليندا وثقافتها وأخلاقها , هذه بحد ذاتها , هي مهمة كبيرة وسوف تستغرق كل وقتك, هيا معي الآن الى الشرفة لنتناول الوجبة السريعة التي أعدها لنا دانيال , ثم يذهب كل منا الى فراشه".
    أبلغها أثناء العشاء أنه مضطر للذهاب الى المدينة بعد ظهر اليوم التالي , للقيام ببعض الأعمال الضرورية , ثم أضاف قائلا:
    " سأبقى هناك يوما أو يومين , وفقا لما يتطلبه العمل , أريد منك قائمة بكل ما نحتاجه من مأكولات أو أثاث أو ما شابه ذلك لأحضرها معي , لا تحاولي التقشف في طلباتك , فأحوالي المادية سليمة جدا والحمد لله, آسف لتركك بمفردك فور أنضمامك الينا, ولكنني مضطر للذهاب , هل ترغبين في أستدعاء جورجيا لتمضية هذه الفترة معك؟".
    " لا , شكرا , فأنا قادرة تماما على معالجة الأمور بمفردي , سأعد لك القائمة غدا صباحا , هل يمكنني الآن أن أتمنى لك ليلة سعيدة ؟ الوقت متأخر , ومن المؤكد أن الآنسة مليندا ستستيقظ في ساعة مبكرة جدا".
    " بربك , يا فتاة , لا تطلبي الأذن مني كلما أردت القيام بأي خطوة صغيرة كهذه , سأكون بالطبع جاهزا لأصدار الأوامر والتعليمات, عندما يتعلق الموضوع بمسألة هامة, أما في المجالات الأخرى , فأنت حرة طليقة كالهواء".
    أحمرت وجنتاها قليلا , وقالت:
    " لا يمكن للتهذيب أن يذهب هباء , يا سكوت, شكرا جزيلا على هذا العشاء الشهي , وتصبح على خير".
    حضرت جورجيا بعد أنقضاء أقل من ساعة على مغادرة سكوت , وبدأت فورا التحدث بلهفة وحماسة عن عملها المحتمل مع هيو , أتصلت بأبنة عم لها تقيم وحيدة في شقة قريبة من العيادة , فشجعتها على قبول الوظيفة ودعتها للأقامة معها , وعندما تم الأتصال بالطبيب للأعلان عن قبول المهمة , أحست بخجل شديد وأعطت السماعة بسرعة الى تيريزا".
    " هنا الطبيب لاسينغ , من المتكلم؟ من المتكلم؟".
    " تيريزا ستانتون , يا هيو".
    " مرحبا , أيتها الحبيبة , يسعدني دائما سماع صوتك الجميل , هل من مشكلة؟".
    " كل شيء على ما يرام , يا هيو, أحدثك بالنيابة عن جورجيا , لأنها كانت قد ذهبت الى بيتها عندما أعطونا هذه المكالمة , متى تريدها أن تبدأ العمل؟ أنها مستعدة وجاهزة".
    " حقا ؟ حقا؟ ولماذا تقف قربك أذن وتتنفس بمثل هذه الصعوبة ؟".
    ثم ضحك , وأضاف قائلا:
    " دعيني أتكلم معها , ولا تخافي فلن أعضها , كيف حال سكوت ؟".
    " ذهب الى العاصمة و...".
    " عظيم , سأحضر لزيارتك هذا المساء , فقد تعجبك وسامتي وجاذبيتي عندما لا يكون قريبا".
    " لا , أرجوك , يا هيو , أنا متعبة جدا وأريد الذهاب الى النوم في وقت مبكر , وداعا الآن , وأليك جورجيا".
    تلعثمت ... وتلعثمت حتى كادت الكلمات القليلة والمتقطعة تختنق في حلقها, سألتها تيريزا عما تضمنه الحديث بينهما , فقالت:
    " طلب مني ألا أستخدم لقبه المهني الا في العيادة , يريدني أن أناديه هيو , كما كنت أفعل دائما , قال أن عملي يبدأ صباح الأثنين".
    " هل أبلغك كم سيعطيك في الشهر؟".
    " أوه ! نسيت أن أسأله عن ذلك , وهو لم يذكر شيئا عن هذا الموضوع ".
    " جورجيا ماسترز , يجب أن تكوني دقيقة جدا أذا كنت ستعملين في عيادة طبيب , لا بأس الآن , فربما كنت مرتبكة لأنك تحبين طبيبك قليلا".
    " لا تكوني سخيفة , يا تيريزا ستانتون , فأنا لا أحب هذا الرجل أو غيره".
    " مهلا , أيتها العزيزة , وهيا نشرب فنجانا من الشاي".
    تناولت تيريزا ومليندا طعام الغداء ظهر اليوم التالي, ثم أخذت كل منهما قطعة قماش وراحت تعمل عليها, أختارت تيريزا قطعة كانت مخصصة لقميص , وأعدت منها فستانا جميلا للعلبة مليندا , وفيما الطفلة غارقة في عملها , لاحظت مربيتها الجديدة أنها نسخة نسائية طبق الأصل عن والدها ! وشعرت برغبة جامحة لضمها بين ذراعيها بمحبة وحنان بالغين , ثم تحول هذا الشعور فجأة الى كره شديد للأم التي يمكنها التخلي عن ملاك كمليندا ... وبمثل تلك السهولة , أعطتها لعبتها ... أو بالأحرى أبنتها , كما تصر الطفلة على تسميتها , فلمعت عيناها بهجة وسرورا وقفزت على صديقتها الجديدة قائلة:
    " أوه , تيريزا! كم أحبك! أحبك كثيرا , الآن والى الأبد! ثم أنهمرت الدموع من عينيها البيئتين الجميلتين ,وأضافت بلهجة حزينة:
    " رجوك , لا تذهبي وتتركيني! أحبك أكثر بكثير مما تتصورين , يا تيريزا!".
    ضمّتها اليها تيريزا برقة, وراحت تتمتم في أذنها كلمات حب لا تصدر الا عن أم أو عمن تشعر بحنان الأمومة , طلبت منها الصغيرة وعدا من القلب بأنها لن تتركها أبدا , فوعدتها تيريزا بذلك وأخذتها الى الحديقة لتلعب.
    أعدت لها طعام العشاء , ثم أخذتها الى الحمام ومنه مباشرة الى السرير , أخبرتها قصة حلوة عن فتاة صغيرة تريد تعلم القراءة والكتابة , فتحمست مليندا للأمر ونامت قريرة العين , أشعلت تيريزا سيكارة , وخرجت الى الحديقة , تتأمل السماء الصافية والنجوم المشعة , هل يفعل ديريك الشيء ذاته الآن , مع سيلفيا , تلك الأرملة الطروب التي حاولت ونجحت في أختطافه منها , ولكن , ما لها ولهم جميعا ... سكوت ,ديريك , سيلفيا , جورجيا ,هيو , وغيرهم.
    دخلت الحمام وفتحت الماء البارد فوق رأسها بكل قوة , علّ البرودة تساعدها على طرد تلك الأفكار السوداء المزعجة , وما أن كادت تنجح في ذلك , حتى رن جرس الهاتف , جففت رأسها وجسمها بسرعة , وتوجهت الى غرفتها , وبعد قليل , حضرت كليو ومعها كوب من الحليب الساخن , أبتسمت لها وقالت:
    " أتصل السيد سكوت قبل دقائق , فأبلغته بوجودك في الحمام , طلب مني أبلاغك تحياته, وبأنه سيأتي غدا , أحضرت الحليب الساخن, لأن السيد سكوت طلب مني الأهتمام بك وبالآنسة الصغيرة, هل تريدين أي شيء آخر , يا آنستي؟".
    " لا , شكرا".
    " أذن تصبحين على خير , والرب يرعاك".
    " وأنت أيضا يا كليو ".
    " أوه , يا للمفارقة العجية! ففي حين كانت الأفكار الخبيثة تجول في رأسها , كان سكوت ينتظر مكالمته الهاتفية ! ولكن... لماذا لم يصر على التحدث معها هي شخصيا ؟ أوه , كم هي أنانية!
    مر صباح اليوم التالي بهدوء وسكينة ... وتعليم , وقالت مليندا أن الكلمات التي أعجبتها أكثر من غيرها هي ... أبي , تيريزا , الهر , ومليندا... لأنها تحب هؤلاء الأشخاص الثلاثة وصديقها الهر الصغير أكثر من أي أنسان في العالم!


  7. #7
    الصورة الرمزية مشاعر مزهلة
    تاريخ التسجيل
    15 / 11 / 2013
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    700
    معدل تقييم المستوى
    151

    افتراضي رد: من روايات عبير ابتسامة وحيدة

    - الألم يجلب النوم
    رمت تيريزا الكتاب من يدها بعصبية بالغة , لأنه لم يعد بعد... ولم تعد هي بالتالي قادرة على التركيز والأستيعاب , أزعجتها أفكارها وتصرفاتها , وأنّبت نفسها على الأنججراف وراء مشاعر أشبه بالسراب , طلب العقل من القلب السخيف التوقف عن الأنزلاق الى تلك الهوة السحيقة التي لا عودة منها , هل تتوقع أبتسامة وضمة كمليندا , أم نظرة غطرسة وأزدراء ؟ هل تعتقد نفسها زوجته وربة بيته؟
    سمعت ضحكة مليندا , فقررت على الفور التنزه معها لبعض الوقت حيى يحين موعد الحمام , وفيما كانتا جالستين على حافة نهر قريب , صرخت مليندا فجأة :
    " أبي! أتى أبي!".
    وصلت الصغيرة الى والدها وهي تلهث من التعب , فضمّها الى صدره بحنان ظاهر وطبع على خديها قبلتين حارتين , أبتسم لتيريزا وضم يديها بين يديه القويتين الدافئتين , ثم قال:
    " مرحبا , يا تيريزا".
    شعرت بالنار تنطلق بسرعة من يديها الى كافة أنحاء جسمها, ولكنها سيطرت قليلا على أعصابها وقالت له بصوت ناعم:
    " أهلا, يا سكوت".
    حملت كليو بعض الأكياس المتعددة , وهي تقول:
    " ما هذه الأغراض كلها , يا سيد سكوت ؟ وماذا يوجد في هذه العلبة المستطيلة هناك؟".
    " من يدري؟ الصبر مفتاح الفرج , فأنتظري قليلا , أغراض كثيرة , أليس كذلك؟ من هو المسؤول عن هذا الأمر , يا ترى؟ وهل يمكن لغير النساء أعداد مثل هذه القائمة الضخمة؟".
    تنهدت تيريزا بأرتياح , عندما أنهى كلامه ضاكا , وقالت له باسمة:
    " دعني أحضر لك , يا سكوت , كوبا من العصير البارد لتشربه على الشرفة".
    " عظيم , شكرا, مهلا يا مليندا, فأغراضك كلها موجودة هنا, أتركيني الآن لحظة لأغسل وجهي وهاتين اليدين القذرتين".
    جلس الثلاثة بعد بضع دقائق على الشرفة , ثم سمح سكوت لأبنته بمشاهدة هديتها , فتحت العلبة وشهقت فرحا وسرورا , عندما رأت آلة صغيرة للحياكة والتطريز تعمل على الكهرباء ... ومعها كل ما تحتاجه من عدة وأقمشة ملونة , وفيما كانت تتأملها بأعجاب منقطع النظير , فتح سكوت علبة ثانية وأخرد منها غطاء وردي اللون ووسادة مماثلة لتيريزا , وآخر ذا لون أزرق سماوي مع وسادته لمليندا , ضمت تيريزا الوسادة الى صدرها بحنان ونظرت الى سكوت بأمتنان بالغ , أما مليندا قد هجمت عليه وراحت تمطر خديه وجبينه بقبل الشكر والمحبة, أبعد رأسه قليلا عن أبنته وقال:
    "أحضرت أيضا كمية وافرة من علب الدهان , وسوف أمضي الأيام القليلة المقبلة في البيت لكي نعمل جميعا بجد ونشاط على تحويل جميع الجدران الى لون النقاء والطهارة".
    " أوه , سكوت , أنت ... أنت...! شكرا جزيلا على الغطاء والوسادة , اللون جميل للغاية , لم أتصور أنك تحسن الأختيار ... أعني ... أنهما رائعان...".
    " فهمت قصدك , يا آنستي الجميلة , لنفتح هذا الصندوق الكبير قبل أصابتك بأي أنهيار عصبي".
    حدّقت تيريزا مذهولة بآلة الخياطة والتطريز الكبيرة , وسرّها جدا أن سكوت سمع حديثها مع ماري حول أستبدال الستائر في غرفة مليندا... وقرّر على الفور أبتياع هذه الآلة على الرغم من ثمنها الباهظ , نظرت اليه بعينين زائغتين لتشكره, فلم يساعدها لسانها على ذلك, أمسكت مليندا بيدها وقالت لها بلهفة:
    "أفعلي مثلي يا تيريزا , أنا أقبّل أبي دائما عندما أريد توجيه الشكر اليه , هيا!".
    لم تتحرك تيريزا من مكانها , فأضافت مليندا قائلة بمرح ظاهر:
    " أكل الهر لسانها , يا أبي".
    " يبدو أنك على حق , يا حبيبتي , سأحاول الآن أن أفعل شيئا , فما رأيك؟".
    هزت الطفلة رأسها بحماس شديد , فأقترب سكوت من تيريزا وعانقها , ووجدت تيريزا نفسها غير قادرة على الأبتعاد عنه .... فيما كان قلبها يخفق بقوة لم تشعر بها من قبل , أبعد سكوت وجهه عنها , وأنزل يديه اللتين كانتا تحضنان وجنتيها قائلا:
    " أعذريني , أيتها الحبيبة , ولكن الدعوى كانت أقوى من المقاموة , هل ضايقتك كثيرا؟".
    " لم تضايقني أبدا, يا سيد ميلوارد".
    " أذن , لنكن أقتصاديين من الآن فصاعدا , هذا كتيّب يضم كافة التعليمات الضرورية لهذه الآلة المعقدة , أدرسيه جيدا وحاولي تطبيقه غدا , وأذا كنت بحاجة لأي أمدادات كهربائية , فأنا على أتم الأستعداد لتجهيز كافة الأمور المطلوبة".
    " أنت طيب جدا معنا , يا سكوت , كم أنا متلهفة لتجريبها وأستخدامها , هيا الى الحمام والعشاء , يا مليندا , كي تعودي الى التحدث مع هذا الوالد الكريم قبل ذهابك الى النوم".
    جلس سكوت وتيريزا لفترة طويلة مع مليندا , قبل أن تهدأ أعصابها وتنام , تناولا طعامهما بعد ذلك بقليل , ثم خرجا الى الشرفة لشرب القهوة , أكتشفت تيريزا أثناء حديثهما أن سكوت متحدث لبق وذو أطلاع وافر في مجالات متعددة , أدهشها عندما أخبرها أنه ولد في أستراليا , وأتى مع والده الى هذه المنطقة عندما كان في الثانية عشرة من عمره , عمل الأب جاهدا لأنشاء مزرعة كبيرة , فيما كلن الأبن يتابع دراسته الجامعية حتى تخرجه مهندسا زراعيا, توفي والده بنوبة قلبية , فشعر بصدمة قوية لفداحة الخسارة , حضر الى المزرعة التي ورثها عن أبيه , وقرر متابعة المسيرة.
    لم يذكر لها شيئا عن رحلته الى أميركا لحضور مؤتمر زراعي , أو عن مقابلته ايلاين هناك وزواجه منها , أرادت تيريزا معرفة التفاصيل المتعلقة بزواجه وطلاقه , ولكنها شعرت بأن الموضوع لا يزال حساسا جدا بالنسبة الى هذا الرجل المزاجي.
    " حان الآن موعد ذهابي الى النوم, لأنني مرهق ومتعب للغاية , ثمة علبة أخرى تضم بعض الملبوسات الداخلية لمليندا , شكرا لأعطائي القياسات المطلوبة , لأنني كنت سأجد صعوبة كبيرة في أيجاد ما تحتاج اليه".
    تأمل تيريزا عندما قامت من مقعدها , وسألها بصوت هادىء :
    " هل أستقرت بك الأمور هنا, يا تيريزا ؟ وأهم من ذلك ... هل أنت مرتاحة الى مليندا ومعها؟".
    " ليست لديّ أي شكاوى في هذا المجال , يا سيدي , مليندا طفلة طيبة جدا وتتجاوب بسرعة مع مشاعر العطف والحنان , أنها ذكية وتستوعب التعليمات والمعلومات بدون تردد أو أمتعاض , ولكنها تستخدم أحيانا كلمات نابية لا شك في أنها سمعتها من بعض الكبار الذين تحبهم وتعتبرهم قدوة لها".
    تأمل وجهها المشرق لحظة , ثم بادلها أبتسامتها قائلا:
    " حسنا, يا سيدتي , سأعطي لساني دروسا خاصة في التهذيب واللياقة , لست بحاجة الا للنظر بهاتين العينين الغاضبتين الحزينتين , لكي تجعلي منا جميعا في المستقبل القريب أناسا في منتهى اللياقة والكياسة".
    أمسك بكتفيها , ومضى الى القول:
    " لا تنسي أنك تحت سيطرتي , ياأمرأة , الرجل الذي يتقمص شخصيتين تماما هو أبن عمي, يمكنني أن أكون دودة صغيرة تدوسينها بقدميك , ولكنني قادر على التصرف معك كمصاص دماء أشرب كل نقطة من هذا السائل الأحمر الذي يغذي قلبك!".
    تسمرت تيريزا مكانها خائفة مذعورة , ليس من كلماته المرعبة ولكن بسبب قربه منها الى تلك الدرجة , أنزل يديه عن كتفيها , ثم داعب خدها وشعرها قائلا:
    " رباه, أنك تخافين بسرعة. سأحاول الحد من هذه التصرفات ... الوحشية ,وألا فأن عصفورتي الذهبية سوف تطير من هذا العش".
    " أنا لست خائفة , يا سكوت ميلوارد , كل ما في الأمر , أنني فوجئت بمثل هذا الأنفصام الغريب في شخصية الرجل الذي أعمل معه وأعيش في بيته!". منتديات ليلاس
    أنهمكت تيريزا طوال اليوم التالي بمختلف أنواع الأعمال المنزلية , وكانت مرتاحة نفسيا لأنها لم تره في الصباح وتسمع رد فعله على جملتها القاسية له , زارتها جورجيا , فبادرت الى الأستعانة بها لأعداد الستائر الجديدة.
    لم يأت أثناء الغداء , فأحست مرة أخرى بعذاب الترقب والأنتظار , حاولت تحليل مشاعرها وتحديدها أتجاه رب عملها , ولكنها لم تتمكن من الوصول الى نتيجة معينة , ففي بعض الأحيان تكرهه بسبب غطرسته وتعاليه , وفي أوقت أخرى تذوب أمامه كقطعة زبدة ! يضايقها حينا وكأنها فأرة صغيرة , وينظر اليها أحيانا كأنها الأمرأة الوحيدة في قلبه وحياته! كيف يمكنها الغوص الى أعماق نفسه, لمعرفة حقيقة مشاعره والتصرف معه وفقا لأمزجته المعقدة والمتعددة؟ ولكن أليس من الأفضل لها تناسي هذه الأمور كلها والتمتع بعملها مع مليندا ؟ أنها تحب مليندا , والصغيرة تبادلها الحب وتتصرف معها كأبنة وجدت أمها الضائعة , كذلك,فهي تحب طبيعة هذه المنطقة وطيبة سكانها , فلماذا لا تنسى أذا هذا الرجل, الذي تنبع تصرفاته المزاجية المزعجة من المرارة والأوهام الناجمو عن تقلبات زوجته السابقة ؟ رفعت رأسها نحو جورجيا ومليندا , وقالت لهما أن ظهرها يؤلمها كثيرا , ثم أضافت:
    " هيا , أيتها الصبيتان , لنتنزه قليلا ونملأ صدورنا بالهواء النقي المنعش".
    سارت الفتيات الثلث بعض خطوات بمحاذاة الجانب الشمالي للبيت , قبل أن تتوقف جورجيا وتقول بأستغراب واضح:
    " ماذا يفعل سكوت في بركة السباحة؟ أنها جافة ومهملة منذ مغادرة أيلا ... منذ زمن طويل".
    وقفت الفتيات على حافة البركة , فترك سكوت العمال الثلاثة الذين يساعدونه وقال:
    " مرحبا, أيتها الفتيات النشيطات , ما رأيكن بتقديم يد العون للرجال المتعبين؟".
    " أشتغلنا طوال النهار , يا أبي, تيريزا وجورجيا أنهتا جميع الستائر ... بالأضافة الى ثياب أبنتي وسريرها".
    نظرت جورجيا الى تيريزا , وقالت لها:
    " رباه, تيريزا , يبدو أنك أحدثت تغييرات جمة هنا ... وبسرعة مذهلة , ومن الواضح أيضا أن السيد سكوت بدأ يفتح عينيه على أحتياجات النساء , أوه! هل يمكنني الحضور للسباحة هنا عندما تصبح البركة جاهزة ؟ هل أخترت بنفسك يا سكوت , تلك الستائر والأغطية الجميلة ؟ أنها فعلا رائعة!".
    " نعم, يمكنك الحضور للسباحة , ونعم أيضا, أعرف تماما ما تحتاج اليه النساء ... وأختار كل شيء بنفسي , هذه هي المرة الثانية خلال أقل من يوم واحد يستغرب فيها أنسان حسن ذوقي , أنا , يا آنسات , رجل كثير الأطلاع على رغبات الحسناوات بسبب خبرتي الطويلة وأتصالاتي المتعددة مع الجميلات , أضافة الى ذلك..."
    " ماذا تعني بكلامك هذا , يا أبي؟".
    ردت جورجيا على الفور:
    " هذا يعني أن الوالد الحبيب رأى النور".
    " ماذا تعنين بهذه الملاحظة الخبيثة , يا آنسة ماسترز؟".
    سارعت تيريزا الى أنقاذ صديقتها , فقالت له:
    " تعني ببساطة أن البركة ستكون رائعة , شأنها في ذلك شأن ... الستائر الرائعة و... الأغطية الجميلة , يجب أن نعود الآن , وألا فالعمل هنا لن ينتهي قبل حلول الشتاء , هيا , أيتها الصبيتان ".
    عملت تيريزا طوال اليوم التالي على ترتيب البيت وأعادة تنظيمه , وفي المساء , أهتمت بأمور مليندا وأخذتها الى النوم , وبعد تناول العشاء مع سكوت , توجها الى القاعة الكبرى حيث جلس هو وراء طاولته لأعداد بعض التقارير الهامة فيما أختارت هي مقعدا مواجها له وحاولت قراءة أحد الكتب التاريخية , لم تتمكن من التركيز كثيرا على كتابها , لأن نظراتها كانت تتحول اليه معظم الوقت .
    ورفع رأسه فجأة , فلاحظ أنها تتأمله , أحمر وجهها خجلا وأرتباكا , فقال لها سرور واضح:
    "تبدين مرتاحة جدا , يا تيريزا , وكأنك ... كأنك في بيتك".
    " يعجبني ... السكون والهدوء , وأصوات عصافير الليل ".
    " يغني الذكر للأنثى التي تريد تعذيبه قليلا في البداية , وعندما تحضر اليه يصبح صوته أجمل وأقوى ... ثم تأخذ الطبيعة مجراها".
    " الطبيعة قاسية ... ولكنها جميلة وساحرة , ويبدو أن الأنسان لا يشعر بالطبيعة كثيرا عندما يكون في المدن".
    " أوه . , طبعا! فجمال الطبيعة هنا لا يشوبه أغراء الجشع والطمع, والأندفاع وراء المكاسب المادية , هل تتوقين أحيانا , يا تيريزا , الى أضواء المدينة وحياتها الصاخبة؟".
    ضحكت تيريزا من صميم قلبها , وقالت:
    " الجشع والطمعو... ! لا , يا سكوت , لم أشعر حتى الآن بأي رغبة من هذا القبيل , لا تقلق أبدا , فمشاعري ليست بحاجة الى مثل هذه الأمور لتبتهج وترتاح , لا تخف الا عندما تراني أتسلق الجدران , وهذا ما سأفعله غدا ,,, ولكن , لتغيير ألوانها".
    " لن تفعلي ذلك أبدا , فالصبي الذي أرسلته اليوم يعرف عمله تماما وليس بحاجة الا للمراقبة , سأفحص الجدران كل مساء بعدستي المكبرة , كالتحري الشهير شارلوك هولمز لأتأكد من عدم وجود آثار لقدميك , وأذا وجدت مثل هذه الآثار , وخاصة على السقف , فسوف أعرف فورا أن الوقت قد حان لأعادتك الى مناطق التمدن والحضارة".

    أغلقت تيريزا كتابها بعنف, ثم وقفت وقالت له بحدة ظاهرة : " لماذا تتحول تصرفاتك الطبيعية عادة الى مكر ودهاء كل ليلة؟ تصبح على خير , يا سيدي".
    " مهلا , يا تيريزا , أرجوك".
    توقفت تيريزا قرب الباب وأستدارت نحوه فمضى الى القول :
    " سأذهب الى العاصمة في نهاية هذا الشهر , للأشراف على عمليات بيع التبغ والأبقار , أريد أن أصحبك ومليندا معي, سنمضي أربعة أيام هناك , يمكنكما خلالها التفرج على المدينة وحضور مسرحية أو بعض الأفلام السينمائية ... عن رعاة البقر مثلا".
    " أوه , سكوت , لا داع للقلق , ستسير الأمور هنا بصورة طبيعية جدا , وأنت لست بحاجة أيضا لأي أعباء أضافية ,...".
    " أريدك أن تحضري معي , يا تيريزا , لديّ أصدقاء طيبون جدا هناك, وأنا عادة أترك مليندا وكليو في عهدتهم كي أتفرغ لأعمالي , يمكنك أحضار كليو أيضا هذه المرة, أذا كنت خائفة مني... أو مما سيقوله الآخرون عنك , سيصر علينا جيمي وفاليري كثيرا للأقامة معهما , وهذا ما أفعله أنا في معظم رحلاتي , سوف يعجبانك كثيرا , لأنهما شخصان طيبان للغاية".
    " كما تريد يا سكوت , سيسرني جدا القيام بهذه الرحلة , شكرا".
    " شكرا لك أنت , يا آنستي العزيزة , تصبحين على خير , أتمنى لك أحلاما سعيدة".
    أتصلت بها ماري بعد ظهر اليوم التالي , لأبلاغها بأنها ستحضر وزوجها في المساء لبحث بعض الأمور المتعلقة بالأبقار , ثم ضحكت وقالت:
    " سمعت أنك منهمكة جدا في دهن الغرف وأعادة تنظيمها , هل وصلت الى القاعة الكبيرة؟".
    " أوه , لا , لا أعرف كيف سأطلب أي شيء أضافي من سكوت , بعد تلك القائمة الضخمة التي أعددتها له قبل بضعة أيام , لم يعترض أو يحتج , ولكنني أريد منحه بعض الوقت قبل مواجهته بطلبات جديدة , هل ...".
    توقفت عن متابعة كلامها , عندما شاهدت كليو تقترب منها بسرعة وهي مذعورة وبادية الأنزعاج والقلق .
    " ما بك يا كليو؟ ماذا في الأمر؟".
    لم تتمكن المرأة المسنة السمينة ألا من ترداد كلمة واحدة...الصغيرة! تركت تيريزا سماعة الهاتف , وركضت بأقصى سرعتها الى الخارج , أوقفها دانيال وأشار بالسكين الطويلة التي يحملها , الى المكان الذي تركت مليندا فيه لترد على مكالمة ماري , تجمّد الدم في عروقها عندما شاهدت حية كبيرة بشعة تزحف بأتجاه الطفلة , وتستعد للأنقضاض على ظهرها , أخذت السكين بسرعة من يد الخادم المذهول , وتوجهت نحوها بحذر شديد ... ممنية نفسها بألا ترفع مليندا نظرها عن كتابها الجديد أو تتحرك من مكانها , وما أن أحست بها الحية الشريرة , حتى أنقضّت عليها تيريزا وأغمدت السكين في عنقها بعنف شديد جعل النصل يغرز في الأرض.
    كان سكوت آتيا في تلك اللحظة الى البيت , فأوقف سيارته وقفز الى جانبها صارخا بفرح وأعجاب بالغين:
    "يا لك من فتاة رائعة!".

    قفزت مليندا من مكانها وقد أصيبت بهلع شديد , وفيما أستفاق دانيال من ذهوله وبدأ يسحق رأس الأفعى بحجر كبير , وضع سكوت أحدى يديه على كتف تيريزا ومد الأخرى لسحب السكين من مكانها , ألا أن تيريزا ظلت ممسكة بقبضتها , غير قادرة على أفلاتها , طوّق خصرها بذراعه وبدأ يفرك أصابعها البيضاء المتشنجة , وهو يقول لها برقة:
    " أتركيها الآن , أيتها الحبيبة , أتركي السكين , فالحية ماتت وأنتهى كل شيء , على أحسن ما يرام, أنك فتاة شجاعة وحكيمة جدا , يا فتاتي الحلوة".
    أستعادت تيريزا قدرتها على الكلام, ولكن بصعوبة وعصبية:
    " مليندا... كانت ستنقض عليها ... كانت ... رباه , ربته!".
    " خففي عنك , يا عزيزتي , وأفسحي المجال قليلا أمام أعصابك لترتاح بعض الشيء , تصرفت بكل شجاعة وحكمة , أيتها العزيزة , لم أشاهد في حياتي شخصا يتحرك بمثل تلك السرعة واللباقة , توقفي عن الأرتعاش , أيتها الحبيبة, دانيال , أحضر كوبا من الماء وثلاث قطع من السكر, هيا, هيا بسرعة".
    أحست تيريزا فجأة بأن جسمها لم يعد يرتعش خوفا وذعرا , ولكن بسبب ألتصاقه بها, سيطر على مشاعرها رعب آخر ... لم يكن خاليا تماما من السعادة , وأرادت البقاء هكذا بقية حياتها , جسمه القوي الدافىء , يداه , ذراعاه , كلمات الحب الرقيقة الساحرة ... أوه , يا لسعادتها!". منتديات ليلاس
    " أجلسي ! يا تيريزا , وأشربي هذا الكوب من الماء".
    تيريزا فقط! نعم, هذا هو أسمها وهكذا سيعود الى مناداتها ! أنها مجرد شابة قتلت حية كانت تشكل خطرا على حياة أبنته , يا لحيرتها وأرتباكها , وتبا لحظها السيء ! أنها تحب مديرها ,... سكوت ميلوارد ... حبا جنونيا لا أمل منه , لأن الرجل لا يزال يحب زوجته السابقة! فتحت عينيها , فتحولت نظراتها على الفور الى عينيه , أنها تريده قلبا وقالبا , جسما وروحا ... هكذا صرخ بها قلبها وشعورها! لم ترفع بصرها عندما قال لها:
    " عظيم , تبدين الآن أفضل بكثير من السابق, عاد الأحمرار قليلا الى وجنتيك , أشعر برغبة لعناقك يا تيريزا , لأنني ممتن لك ألى أبعد حد".
    مسكينة أنت , يا تيريزا! فقط شكر وأمتنان , لا غير تذكري ذلك, أيتها الغبية! ثم حمل أبنته بين ذراعيه وساعدها على حل عقدة لسانها وتناسي الحادثة المشؤومة , نظرت تيريزا مرة أخرى الى عينيه , وتململت بعذاب وألم , آه , لو كان بأمكانها الأحتماء به على هذا الشكل وتطوق عنقه...!".
    أمضت تيريزا بقية النهار وفترة السهرة تحلل أكتشافها الجديد, الذي يتسم بقدر كبير من الخطورة , تفرحها نظرة ناعمة , وتؤلمها نظرة أخرى ساخرة , تشعر بالسعادة عندما يقف أمامها بقامته الممشوقة وجاذبيته المذهلة , وتحس بالعذاب المرير كلما قال لها كلمة تنم عن غطرسته المعهودة.
    لعبا الورق مع دان وماري , وكان زوج صديقتها شريكها في اللعبة , لم تكن قادرة على التركيز أو اللعب بالسرعة المطلوبة , قال لها سكوت في أحدى المرات:
    " أنك تركزين كثيرا , أيتها العزيزة, وكأنك تريدين قراءة المستقبل , أنتبهي يا حبيبتي , وألا سوف تخسرين بكل سهولة ".
    ضايقتها كثيرا لهجة الغزل الناعمة في كلماته, فردت عليه بشيء من الحدة:
    " أذا حدث ذلك , فمن حق شريكي فقط أن يتذمر, في أي حال , أستعد للمواجهة القاسية وتقبل الهزيمة بصدر رحب".
    وضعت كافة أوراقها على الطاولة , فيما كان سكوت وماري لا يزالان محتفظين بجميع أوراقما , عبس سكوت , وقال بلهجة تجمع بين الجدية والمزاح:
    " أوه , يا لها من ساحرة! تجيد الحياكة والتطريز , ودهن الجدران , وقتل الأفاعي , والغش في الورق! لا شك في أن خطوتها التالية ستكوت قلب العالم رأسا على عقب , وهذا أمر واقع لا محالة!".
    ضحك الجميع, بمن فيهم تيريزا ... التي قالت لنفسها أن عالمها هي دون سواها هو الذي قلب رأسا على عقب , آه , منك , يا سكوت ميلوارد , ومن حبي الجارف لك.
    وقفت معه بعد قليل في الخارج لوداع دان وماري , وضع ذراعه برقة على كتفيها , فتوترت أعصابها فجأة وأرتعش جسمها , تراجع سكوت الى الوراء , وقال لها ساخرا:
    " أعذريني , يا سيدتي , هل تريدين العودة الى القاعة , حيث تجلسين في زاويتك وأنا في زاويتي ؟ ليست لديّ أي نوايا عدوانية , فلا تتذمري أو تحاولي مهاجمتي , أخبريني , هل كنت على وشك القيام بذلك؟".
    " طبعا... لا .. أعتقد أنني متعبة قليلا".
    " أمضيت يوما قاسيا ومرهقا, يا تيريزا , أذهبي الآن الى غرفتك , كي أحضر لك كوبا من الحليب الساخن وحبتين مهدئتين للأعصاب, لا أقبل أي مجادلة أو أعتراض , ولن أمنحك سوى عشر دقائق فقط لتضعي نفسك في الفراش".
    تطلعت حولها , وكأنها تنتظر بعض الأرشادات من ظلمة الليل أو عالم الغيب , ولكن التعليمات والنصائح لم ترد, فتوجهت فورا الى غرفتها , دق سكوت الباب بعد أقل من ربع ساعة , وأعطاها الكوب والحبتين , لم يتحدث معها خوفا من أيقاظ أبنته , التي تنام في الجهة المقابلة, تمنى لها ليلة مريحة هانئة , ثم تأملها قليلا وأغلق الباب وراؤه بهدوء بالغ.
    أمضت تيريزا الأيام الثلثة التالية , وكأنها في قفير نحل أثناء فصل الربيع , أنها الفترة التي ينطلق بها الرجال على صهوات خيولهم , لجمع العجول الصغيرة الضائعة في تلك المساحات الشاسعة , لم تكن وحدها , بل حضرت لمساعدتها كل من ماري وليلي وجورجيا وجارة أخرى هي السيدة أليتا براون.
    لم يكن لديها وقت كاف لتفكر بالحب الذي تفجر فجأة في داخلها , ولم تسنح لذلك الرجل فرصة لدغدغة مشاعرها أو أثارة أعصابها , كان الجميع منهمكين في أعمالهم المرهقة , وتيريزا مرتاحة جدا لأنه غير مضطرة لمواجهته على أنفراد.
    جلست السيدات لتناول طعامهن بعد عودة الرجال الى أعمالهم , وكان طفل ليلي محط أنظار الجميع ... وخاصة مليندا التي أصبح لديها طفلان لتلاعبهما , وبمجرد أنتهاء الغداء المتأخر , ذهبت ليلي وماري مع تيريزا الى غرفة مليندا لمساعدتها في تعليق الستائر وترتيب الغرفة بصورة نهائية , فيما بقيت جورجيا وأليتا لرعاية الأطفال الثلاثة , تأملت ليلي الغرفة بأعجاب بالغ, وقالت :
    " لا يمكنني تصديق هذا الفرق الهائل والتحول المذهل ! متى ستنتهي غرفتك , يا تيريزا؟".
    " يشتغل أحد عمال سكوت حاليا على أعداد الجدران للطلاء ".
    " لن يكون يوم غد مرهقا الى هذه الدرجة , ستقوم أليتا بدور المربية والحاضنة , فيما نساعدك نحن أثناء غياب الرجال على أنهاء العمل في غرفتك".
    " عظيم , شكرا, تعجبني كثيرا روح التعاون السائدة هنا , هل... هل سيبقى الجميع هنا هذه الليلة؟".
    ضحكت ماري, وقالت لصديقتها المرتبكة:
    " لا , أيتها العزيزة , فكلنا نقود سيارات وعندنا بيوت".
    ذهبت الشابات الثلاث الى القاعة , فتطلعت ليلي حولها ثم ركّزت نظراتها على تيريزا ... وضحكت , ولما شاركتها ماري الضحك , قالت ممازحة:
    " أوه , يا للمكر والدهاء! نعم, يا عزيزتي , فالبيت بحاجة ماسة للمسة نسائية!".
    أحمر وجه تيريزا خجلا وحياء , وقالت:
    " لا , لا يمكنني أجراء تغييرات شاملة في بيت سكوت ميلوارد وكأنني ... كأنني أملكه!".
    تأملتها أليتا بعناية , وقالت مرددة كلماتها الأخيرة:
    " كأنك تملكينه ... كأنك تملكينه ! لديك نقطة هامة جدا, يا آنستي , ربما كان .... قاطعتها تيريزا بأستغراب شديد:
    " ماذا تعنين , يا أليتا؟".
    " أنه رجل وسيم... وعازب ... ولم يتمكن أحد غيرك قبلا من أحداث مثل هذه التغييرات الجذرية في بيته , أنت تحبين مليندا وهي تحبك, أنت أيضا شابة جذابة جدا وذكية ونشيطة , وأي رجل يفكر بطريقة منطقية سليمة...".
    توقفت أليتا عن أتمام جملتها , عندما شاهدت نظرات الغضب تشع في عيني ماري رورك , ولكن الصديقة التي تعرفها منذ سنوات , لاحظت الحب والعذاب في عينيها فقالت بدهشة وذهول:
    "رباه , ماذا أرى ! أنها تحبه , ولكن قلبه لا يزال مدفونا تحت أنقاض أوهام حبه لزوجته السابقة , ما بنا الآن , وماذ ا نفعل ؟ ستعرف تيريزا كيف ستتصرف في هذا البيت بدون الحاجة الى الزواج من ذلك الرجل المسكين ! هيا , أيتها المتآمرتان , فلدينا أعمال كثيرة يجب الأنتهاء منها قبل عودة الرجال ! تيريزا, أحضري لي من فضلك زجاجة الحليب لجانيس".
    هل يمكن لأحد غير صديقتها قراءة أفكارها ومشاعرها بمثل هذه السهولة؟ دان مثلا, أو ... سكوت نفسه؟ أوه , لا , لا يمكن ! أذا عرف بحبها له , فسوف تترك عملها معه ... بأسرع وقت ممكن , هل هي قادرة على ذلك ؟ وكيف ستحنث بالعهد الذي قطعته لمليندا , بعدم الأبتعاد عنها أبدا ؟ هل يمكنها البقاء معه , وهي تعلم بالتأكيد أنه لن يبادلها أبدا هذا الحب , وان قلبه لا يزال مع أيلاين؟
    قارنت بين مشاعرها أتجاه ديريك وحبها الحالي , فبدت تلك العواطف وكأنها علاقة أطفال أو صداقة مراهقين ! سكوت ميلوارد هو حبها الحقيقي , سعادتها , حياتها ... عذابها , آلامها... هو كل شيء!
    عاد الجميع الى بيوتهم في المساء , فتناولت وجبة طعام خفيفة وأخذت حماما ساخنا , ثم نامت بسرعة مذهلة لم تكن لتحلم بها.


صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الفصل الاول من رواية ظل العملاق ، من روايات عبير
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى منتدى الكتاب والقصص والروايات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02 / 12 / 2013, 22 : 02 PM
  2. الفصل العاشر من رواية اللغز ، من روايات عبير
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى منتدى الكتاب والقصص والروايات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01 / 12 / 2013, 15 : 12 AM
  3. الفصل الاول من رواية عنيد ، من روايات عبير
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى منتدى الكتاب والقصص والروايات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28 / 11 / 2013, 17 : 03 PM
  4. من روايات عبير ، رواية كلمات حب الفصل الثامن
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى منتدى الكتاب والقصص والروايات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 25 / 11 / 2013, 11 : 09 PM
  5. ارحم دموعى من روايات عبير
    بواسطة مشاعر مزهلة في المنتدى منتدى الكتاب والقصص والروايات
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 19 / 11 / 2013, 30 : 05 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250