◄هل ذهبت إلى مكانٍ ما بمفردك فوجدت نفسك تبحث فيمن حولك عن شخص يكون على إستعداد للتحدّث معك؟ أتوقّع أنّك لن تختار شخصاً بشكل عشوائي، بل من خلال ما يبدو عليه من قابلية واستعداد للحديث معك، وبالتالي ستلتقط تلك الإشارات الخفيّة التي تصدر عنه، وأنت أيضاً تصدر منك مثل هذه الإشارات، كمحاولة الإقتراب منه بشكل آمن وهادئ، فهو يعطي إشارة بأنّه على استعداد للتحدّث معك، سواءً كنت تعرفه أم لا، فإذا كنت تمتلك أسلوباً خاصاً يخبرك بمدى إنفتاحك عليه أو بمدى قابليتك واستعدادك للحديث معه، وهذا الأسلوب، وهذه المهارة، هي مهارة لغة الجسد.
لغة الجسد هي الحركات أو الإيحاءات غير لفظية كنظرة العين والإبتسامة والميل والقرب إلى الطرف الآخر. وإذا استطاع الشخص أن يستخدم هذه المهارة بالشكل الصحيح، استطاع أن يعطي إنطباعاً إيجابياً، وكذلك تكون لديه القدرة على التأثير البالغ، وتتولد بينه وبين الآخرين المحبّة والألفة. ولترك إنطباع أوّلي إيجابي عند الآخرين، وحتى ينجح التواصل معهم، نقوم بالخطوات التالية في الثواني الأولى من المقابلة:






1- التحية والمصافحة :



قال تعالى:

(دَعوَاهُم فِيهَا سُبحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيّاتُهُم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعوَاهُم أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ) (يونس/ 10). فمن خلال تحية الإسلام، وهي السلام، أُعلن ترحيبك من خلال جسدك، ولتكن ردة فعلك وعملك على أن يضل قلبك وعواطفك مع الإنسان الذي تقابله ولا تغطي قلبك بيديك، قال الإمام علي (ع): "إذا لقيتم إخوانكم فتصافحوا وأظهروا لهم البشاشة والبشر، تتفرّقوا وما عليكم من الأوزار قد ذهب" (الخصال، الشيخ الصدوق، ص633)، فاجمع طاقة الحب في قلبك واحتفظ بها قليلاً، ثمّ انقل هذه الطاقة إلى يدك اليمنى، ثمّ وجِّهها إلى قلب الطرف الآخر أثناء المصافحة.


2- العين :



وهي الجزء الثاني من المقابلة، فلتكن البادئ بالنظر حتى تعكس عيناك مواقفك الإيجابية، فتلاقي العيون هو التفاعل الحقيقي.


3- الإبتسامة:



قال أحد السلف ):

"حسن البشر من علائم النجاح" (عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص228)، فهي ترتبط إرتباطاً وثيقاً بلغة العيون، وهي من لغة الجسد الأخاذة.


4- الإنحناء:



ويكون بحركة غير ملحوظة للأمام لتوضيح إستعدادك للتواصل واهتمامك بالطرف الآخر، وهي بداية بناء الألفة، و"المؤمن الف مألوف ولا خير في مَن لا يألف ولا يؤلف" (جامع السعادات، محمد مهدي النراقي، ج2، ص197).





نأتي بمثال على ذلك:

عندما تذهب فاطمة إلى مكان لا تعرف أحداً فيه، وتجلس أمام طاولة بمفردها، وتكون أمام الطاولة المجاورة فتاة، وتريد فاطمة أن تتحدّث إليها، فإن كانت لديها مهارات تستطيع من خلالها أن تكسر حاجز الوحدة مباشرة، ستبدي بعض الإيماءات أو الحركات، كأن تطيل النظر إلى تلك الفتاة بإبتسامة رقيقة، وقد تستغرب الفتاة في بادئ الأمر؛ لكونها لا تعرف فاطمة، وقد لا تستجيب لها، إلا أنّها بمجرّد أن تعاود النظر إليها من جديد بإبتسامتها المريحة غير الباعثة للشك والريبة، تستجيب لها ويتولد لديها نوع من الإرتياح والقبول. وعندما تشعر فاطمة بأنها بدأت تستجيب، هنا تحاول أن تتقرّب منها عبر الميل الجسدي الآمن، بحيث لا تشعر بالدهشة أو الإنزعاج، إذ إنّ هذا الميل الجسدي سيوصل لها رسالة، وهي:
أنا لديَّ القابلية والإستعداد للتحدّث معكِ وأشعر بالإرتياح لكِ. ومن خلال هذا الميل، تستطيع فاطمة أن تدرك مدى قابليته للإستجابة بشكل أعمق، وذلك عندما تبادر هي كذلك بالميل الجسدي، ومتى ما وصلت الفتاتان إلى القابلية والإستعداد للتواصل عبر النظرة والإبتسامة والميل (لغة الجسد) مباشرة، تبدأ بالمرحلة الثانية من مراحل التواصل وهي اللغة اللفظية، فتبادر فاطمة بإلقاء التحية وتقول لها:
سعيدة بوجودكِ، واقعاً قد أتيت إلى هنا، وأنا لا أعرف أحداً، وشعرت بأنكِ شخصية مريحة وأتمنّى أن أتحدّث معكِ إن كان ذلك لا يضايقكِ، وعندما تبدي استعدادها توجه لها الأسئلة العامة، مثلاً: ما إسمكِ..؟؟
من أيِّ منطقة أنتِ..؟؟
ما رأيكِ بالمكان..؟؟
وغيرها من الأسئلة، إلى أن تتجاذب الإثنتان أطراف الحديث مع الآخر. وفي حال كانت الفتاة غير إجتماعية لا تستطيع أن تحاور الآخرين بطلاقة، وليس لديها مهارات المنح الإجتماعية، ولا القدرة على إشباع الحاجات النفسية، هنا تبادرين أنتِ بإشباع حاجاتها النفسية، كالحاجة إلى التقدير والإعجاب والإحترام والأنس الذي يشعره الإنسان بوجود الآخرين.
من المهم جدّاً أن نُركِّز على إشباع حاجات الآخرين، ولكن بطريقة تشعرهم بالأمن وعدم الريبة. وللأسف الشديد، البعض لا يملك أن تكون لغة جسده أو كلماته أو مشاعره أو أسئلته آمنة، فلا يشعر الآخر معه بالأمان، بل يشعر بالخوف والتوتر والريبة، فمثل هذا السلوك قد نسلكه مع أقرب الناس إلينا دون أن نشعر، فأحياناً الزوجة تُنفِّر الزوج منها بسبب اسئلتها الإستجوابية: (إلى أين أنت ذاهب؟ ولماذا أنت خارج؟ ومع مَن ستكون..؟؟)،

وغيرها من الأسئلة التي تطرح بطريقة غير فنية، والتي لو طرحت بطريقة وبأسلوب آخر لتقبلها الزوج وشعر بالأمان واستجاب لها.





إنّ أسهل موضوع يمكن أن نتحدّث عنه في البداية هو عن الموقف الحالي، وعن المكان الذي يجمعنا، وعن الأشخاص، والتعليق على بعض ما نراه ونسمعه بشكل لطيف وإيجابي، وعن الطقس، وحتى يبدأ الحوار معك قبل البدء في مناقشات شخصية.
وحتى تُشجِّع الآخرين على التواصل معك، تذكّر أحد المواقف التي كنت فيها في مناسبة معيّنة، كإجتماع أو حفلة. وإذا أردت أن تتحدّث مع شخص ما، ورغبت أن يقدم هو على محادثتك أو يستجيب لمحاولتك لبدء الكلام معه، فما الذي فعلته في ذلك الموقف؟ إنّ أوّل طريقة هي محاولة فتح بابك أمام الآخرين ليتمكّنوا من الوصول إليك، وهو ما يشكِّل الإنطباع الأوّل عنك عند الآخرين. أمّا لو أغلقت بابك في وجوه الآخرين بمثل هذه الأساليب عن طريق لغة الجسد، وذلك بالوقفة المتصلبة وبالنظرات الحادة، إنّك بذلك ترسل رسالة لهم وتخبرهم أنّك لا ترغب بالتعرُّف إليهم.
الأساس الأوّل للإنطباع الإيجابي عنك عند الآخرين هو فتح بابك أمام الآخرين، وذلك عن طريق الإنسجام معهم والظهور بمظهر جيِّد؛

لأنّه من المعينات لدعم الثقة لاسيما في المقابلات المهمة والخاصة، وكذلك الثقة بالنفس وعدم التكلُّف والمبالغة في التعامل، وأيضاً المبادرة في تقديم نفسك للآخرين؛ لأنّ التعريف بالنفس يدل على الثقة، وذلك سرعان ما يوجد أرضية مشتركة بينك وبين الآخرين، إذ معظم الناس يفضلون مَن يأخذ المبادرة في المواقف الإجتماعية؛ لأنّهم يشعرون بالإرتياح، والأهمُّ من ذلك يزيحون عنهم عبء بدء الحديث. وإضافة إلى ذلك، فإنّك ترسم طابعاً عامّاً عنك من المقابلة الأُولى، ولاسيما إذا كانت حالتك المزاجية إيجابية.►