كثير من النساء المتزوجات يعانين من الاكتئاب بدرجات متفاوتة. فقد تجلس الواحدة منهن مع صديقاتها وهي تتنهد وتولول من وضعها الحالي وتتحسر على حالها قبل الزواج وكيف كانت تنبض حيوية وتتمتع بنشاط وروح حية تتأجج طموحا وعنفوانا؛ ولكنها بعد الزواج صارت شخصيتها تتغير وبدأ التوهج والانتعاش في حياتها يتلاشى تدريجيا حتى اختفت كثير من هذه الصفات التي كانت تحبها في نفسها. وفي الحقيقة لا يمكن أن نعتبر هذا التذمر نوعا من "عدم النضج" أو "صغر العقل" أو ربما "تهويل الأمور" لأن هناك بالفعل دراسات علمية أثبتت أن معدل الاكتئاب بين المتزوجات يفوق كثيرا ما يمكن أن يكون موجودا بين غير المتزوجات.

ففي دراسة قام بها الباحث ماك راث عام 1990 على نساء متزوجات وأمهات شابات تبين فيها أن المرأة المتزوجة تعاني أكثر من العزباء من الاكتئاب، وهذا عكس ما لاحظه بين الرجال إذ إنهم في الغالب يشعرون باستقرار وراحة مع الزواج. وقد بينت الدراسة أن مستوى التوتر والاكتئاب يزيد بين الأمهات الشابات، بل إن شعورهن السلبي يزداد بشكل مباشر ومطّرد مع عدد الأطفال، فكلما زاد عددهم ارتفعت نسبة الإصابة بالاكتئاب كما زاد المستوى الذي يمكن أن تصل له الأم من التوتر النفسي والاضطراب.

وحتى نكون على علم بماهية الاكتئاب لابد أن نتكلم عنه ولو بشكل مختصر ومبسط لتتضح لنا تلك الصفات التي نتكلم عنها. الاكتئاب هو اعتلال مزاجي نفسي يشعر فيه الإنسان بفقدان المتعة في الأمور التي تجلب له لذة في السابق مثل ممارسة هواية معينة أو مقابلة الأصدقاء أو قراءة كتاب ممتع أو أي نشاط اعتاد عليه كنوع من الترفيه عن النفس. وقد يشعر مريض الاكتئاب بأعراض أخرى مصاحبة لفقدان المتعة بالأعمال التي يقوم بها وهي تغير في النوم مثل قلته أو كثرته أو تقطعه

إلى جانب تغير مفاجئ بالشهية والتي بدورها قد تنقص أو تزيد مع قلة النشاط وعدم رغبة في الخروج من المنزل، والشعور بعدم قيمة أي عمل أو الشعور بالذنب بدون سبب واضح، إلى جانب صعوبة في التركيز والتفكير واتخاذ القرارات. وإن تطور الحال قد تصاحب هذا أفكار متكررة عن الموت والانتحار والرغبة في إنهاء الحياة. والنتائج نفسها توصل إليها الباحثان قلايد وكوفمان بدراسة قاما بها عام 1996 حيث كانت نسبة الاكتئاب بين النساء ضعف ما وجداه بين الرجال ومعظم الحالات بين الأمهات الشابات أو الشابات بعمر الإنجاب. ومع هذا فإن ما نسبته 30 إلى 50% من حالات الاكتئاب بين النساء تكون بلا تشخيص مباشر ولا متابعة طبية حيث تفضل المرأة

ألا تذهب للاستشارة لأسباب ثقافية كثيرة أو بسبب جهلها بما يحصل لها وتقبلها له على أساس أنه أمر واقعي عليها التعامل معه بوصفه قدرها المحتوم! وقد نشر المركز الوطني لإحصائيات الصحة عام 1994 تبيانا يوضح أنه كلما كان المجتمع يعاني من عدم توفير احتياجات المرأة وإعطائها حقوقها الشرعية والمدنية التي توفر لها حياة مستقلة فإن الاكتئاب والاضطرابات النفسية تزيد بين النساء. فقد أوضح التقرير أن نسبة الإصابة بين المراهقات الآسيويات أكثر من غيرهن لكونهن في العادة يشعرن بمسؤوليات كثيرة وضغط نفسي جراء الأدوار الاجتماعية الثقيلة التي عليهن فعلها، وقد كان الانتحار مرتفعا في الأعمار ما بين 15 إلى 29 سنة.

في دراسة قام بها الدكتور اشتياق حسان والباحثتان مريم خورشيد وهناء هيشامي على النساء المتزوجات وتأثير كل من العمل والتعليم على حياتهن الزوجية تبين أن المرأة المتزوجة غير العاملة والتي تلقت تعليما متوسطا (مستوى جامعي) تواجه مشكلات نفسية مع الاكتئاب والتوتر على عكس المرأة المتزوجة التي أكملت دراستها بعد التعليم الجامعي. وربما يمكن أن نربط مستوى التعليم بدلالة نفسية وهي الرضا عن النفس، فإنه من الممكن أن المرأة التي أكملت دراستها العليا تشعر برضا أكثر عن النفس.

كما أنها تلقت علوما أكثر من رفيقتها التي أكملت البكالوريوس، وبهذا فإنها تكون أكثر ثقافة ودراية ببعض الأمور. يضاف إلى ذلك أنها تروح عن نفسها بالدراسة وهذا يجعل منها أكثر توازنا مما ينعكس إيجابيا على أدائها الأسري ونفسيتها بشكل عام. أما الجامعية التي لا تعمل فإنها قد تشعر بنوع من الظلم لأنها لم تجد وظيفة ولم تكمل دراستها وجلست في المنزل تؤدي دورا ربما تجد أنه تقليدي مقارنة بالصورة التي رسمتها لنفسها قبل الزواج.

ووضع المرأة السعودية قد يكون أكثر توترا من وضع بنات جنسها في البلاد الأخرى بسبب التقاليد والعادات والقوانين التي تحد من حركتها العقلية والبدنية، وتقلل من الفرص التي يمكن أن يتمتع بها سواها في التعليم والعمل ونظام الأسرة. ومن الطبيعي أن تكثر في مجتمعنا حالات انتحار السيدات، وكذلك حالات الطلاق، وحالات الفشل في الحياة، كل ذلك من الحالات التي تظهر على السطح، أما الاكتئاب الذي تلوذ صاحباته بالصمت الثقيل فليس هناك إحصائيات ولا نتائج ظاهرة يمكن الوقوف عليها.

ولكن يمكن الاسترشاد بالوضع الأسري العام الذي تعيشه المرأة السعودية لنكتشف كم تتعامل مع حياة مليئة بالأعباء والمسؤوليات والقيم التي تجعلها في موضع لا تشتكي ولا تئن. فربما تبدأ رحلتها مع الاكتئاب منذ الزواج بشخص لا تعرفه ولا تعلم عن طباعه ولا شخصيته سوى اسمه واسم عائلته ومنصبه،ثم تواجه حياة جديدة مع شخص غامض قد يكون مدمن مخدرات أو صاحب سفر وعلاقات، وقد يوفقها الله عن طريق الصدفة فقط أن تحظى بزوج صالح يخاف الله فيها.

أما معركتها مع الأطفال، فتبدأ حينما تتأخر عدة أشهر عن الحمل بعد الزواج وتبدأ الضغوط الاجتماعية تلاحقها أينما ذهبت للسؤال عن الحمل، حتى إذا حملت بدأ الصراع مع نوع الجنين، ويظل الزوج يترقب أن ينجب ولدًا حتى يرتاح، ولكن الأسرة الكبيرة تريد المزيد من الأطفال، وهكذا تستمر هذه الأم تدحرج بطنها بطفل أو طفلة سنة وراء أخرى وتجرجر معه كل آلام البشرية الحسية والمعنوية دون أن تلقى رحمة من قريب أو عطفا من بعيد.

وبسبب الثقافة العربية السعودية التي ترى أن الأم عليها معظم بل جميع الأعباء المنزلية وما يتعلق بالأطفال فبعض الأزواج يختار أن يمارس دور المتفرج وهو يرى زوجته "تقطع نفسها" ما بين الأطفال والمنزل وربما مسؤوليات تعليم أو عمل أو مجتمع يشمل أهله وأهلها. باختصار الزوجة السعودية بشكل عام رهينة لاكتئاب يفتك بكيانها ويقتل كل ومضات الإبداع والتألق فيها، ومن المحتمل أن ينشأ الأطفال مكتسبين لروح الاكتئاب التي تخيم على أمهم. ثم يعيدون من جديد دورة حياتهم في حلقة الاكتئاب التي مرت بها الأم.

ما شرحته في السابق ليس أمرا تعيشه جميع النساء ولكنه يكاد يكون شائعا بشكل يمكن أن نقول عنه إنه ظاهرة خصوصا بين نساء الطبقة المتوسطة والفقيرة بسبب قلة أو انعدام المساعدة الممكنة للمرأة. ولكن الحقيقة التي يمكن أن نقولها بكل ثقة إن المرأة تستطيع أن تقوم بأمور كثيرة وتنجز بشكل فعال إن كان زوجها إنسانا واعيا بأهمية مساندته لها فيدعمها معنويا وماديا.

وكذلك من المفيد أن يكون هناك مجموعات دعم لكل من يعاني من الاكتئاب بحيث تنشر الوعي بالمرض وكيفية التعامل معه وطرده بلا رجعة من الحياة بدلا من أن نفكر أن هذا المرض هو عقاب رباني أو مس من الجن أو عين أو أمور أخرى لا نقدر أن نسيطر عليها بشكل مباشر. المرأة السعودية تحتاج تقديرا أكبر من الرجل فهي تقوم بأعمال متنوعة وأكثر بكثير مما قام به جيل الأمهات والجدات، وهذا أمر طبيعي في الحياة العصرية مهما حاولنا تجاهل أو مناقضة ذلك، وهي لذلك جديرة باهتمام أكبر ورعاية أوسع من الجميع.