كلما اقترب عيد الأضحى ، كلما شعرت بخوف وتردد كبيرين.تصوروا يا إخواني عاملا بسيطا له دخل ضعيف ، كيف يمكنه شراء خروف العيد ولا يكاد يوفر مئة درهم ؟هذا المبلغ لا يكفيه حتى لشراء نعجة هرمة .في نظركم ، ماذا يفعل ؟ هل ينظر إلى جيرانه وهو يتحسّر من الألم بينما أولاده يصرخون من كل جانب ؟
إعلموا أيضا أن لي زوجة نكدية ، فهي لا تريد أي خروف ، بل كبشا أقرن وسمين ولحمه وافر وكبده ضخم .نعم ، هذه المرأة كأنها لا تعلم أني أتقاضى فقط خمسون درهما في اليوم ، طبعا عندما أجد عملا.
البارحة وأنا أتناول كأس شاي منعنع مع قطعة خبز شبه يابسة ، خاطبتني زوجتي متهكمة :
_ " هل تعلم يا أحمد أن جيراننا اشتروا خروفا يشبه البغل ؟ "
كنت أود أن أقول لها : البغل هو أنا "
لكنها لاحظت ابتسامتي وزمجرت قائلة : يا شبه الرجل لو كنت ذا همة وشأن لبادرت في شراء أضحيتك قبل كل الجيران .
ثم أضافت :ماذا سأقول لجارتنا رحمة ؟ ها هي تتبختر وهي تطلي رأس خروفها بالحناء....
نهضت من مكاني قاصدا الباب .لحقت بي :
_ إلى أين أنت ذاهب ؟
أجبتها : إلى المقهى
أمسكت بيدي : يا شقي أمه ، ألم يكفيك ما شربته من شاي وما أكلته من خبز ؟
قاطعتها قائلا : هوّني عليك يا إمرأة .أنا ذاهب هناك لأستلف بعض النقود ، عسى أن أشتري لك بها خروفا مثل الفيل...
ضحكت ضحكة صمّت بها آذاني : هل يوجد أحمق في هذا العالم ليقرضك مالا ولو يسيرا ؟ أنظر إلى هيئتك ....أنت لا تساوي درهمين إثنين .
نظرت إليها قائلا : هل هذا ذنبي إن كنت هكذا ؟
ردّت : وأنا ماهو ذنبي لما تزوجتك ؟
حاولت تليينها قدر المستطاع : اسمعي يا زوجتي العزيزة ، سأعمل كل ما في جهدي لجمع مبلغ كاف نشتري به خروف العيد.
أجابت بنبرة كلها تهكم وسخرية : عندما تكون جمعت ذلك المبلغ المحترم سيكون قد لحق بنا عيد الفطر السعيد .
فكّرت مليا ، ثم قالت . (هذه المرة بدت عليها علامة الفرح)
_ " لم لا نذهب لقضاء عطلة العيد عند أمي ؟ ثق بي إن قلت لك أنها لن تطردني ...
_ معك حق ولكن أنا ستقوم بطردي كالكلب
أومأت برأسها : وهنا أقول لك لم لا تذهب عند والديك ؟
المشكل أن زوجتي نسيت أو تتناسى أن والدي توفيا منذ سنوات وأنه ليس لي من العائلة الا أخا يعيش في بلاد الغربة .
خرجت للتو من البيت غير عابئ بكلامها .كنت غارقا في همومي وأنا أقطع الطريق .فجأة سمعت أصواتا ورائي : انتبه يا رجل .
لم أدر ماذا وقع .كل شيء أصبح مظلما ثم فقدت الوعي مدة من الزمن.
لما أفقت ، وجدت نفسي على سرير وحولي أشخاص أكاد أرى ملامحهم .اقتربت مني إمرأة لابسة وزرة بيضاء عرفت أنها ممرضة وقالت لي : حمدا لله على سلامتك .لقد نجوت بأعجوبة يا أخي .كادت السيارة أن تودي بحياتك لولا ألطاف الله.
كنت أنظر إليهم بدهشة واستغراب .فجأة ، أحسست أني لا أستطيع النهوض .تفقدت رجلاي فلم أجدهما.تملكني رعب شديد وبدى الفزع في وجهي وما لبثت ألا أن صرخت بقوة : لا ، لا ...لا أريد أن أكون إنسانا معاقا ...أريد أن أسير مثل سائر الناس.
التفّ هؤلاء الأشخاص من حولي وقالوا لي : اتّق الله يا رجل واحمده ، إنه نجاك من الموت وأطال في عمرك .
لكنني ما برحت أقول : ليتني متُّ ، ليتني متُّ .كيف لي أن أعول عائلتي وأن بدون رجلين ؟

تفحصت مرة ثانية قدماي وقلت باكيا كنت سليما معافى ولم أستطع القيام بأي شيء ، أما الآن وأنا كسيح لن أستطيع حتى التحرك من مكاني .
آه يا رب ماذا فعلت لك حتى تجازيني هذا الجزاء ؟
اقترب مني رجل مسنّ وربّت على كتفي : يا أخي إن المؤمن مصاب .اصبر على حكم الله وإن شاء الله سيجازيك أحسن الجزاء.
ثم خاطب الحاضرين : هيا يا إخوان فلنساعد هذا الرجل في محنته قدر استطاعتنا وامكانياتنا المادية .
ثم وضع أمامي على المنضدة أوراقا مالية من فئة مئة درهم .تلاه بعد ذلك كل واحد يضع مبلغا من المال في يدي .تابعت العملية وأنا أعد النقود المتراكمة ، فحسبت ما يقارب الخمسة آلاف درهما.
سبحان الله العظيم يرزق من يشاء.هذا المبلغ لم أكن لأجمعه ولو اشتغلت ليل نهار مدة عشر سنوات.
وأنا على هذا الحال ، دخلت زوجتي متبوعة بأبنائي وهم يصرخون : بابا ، أينك يا بابا ؟
أجبتهم : لا تقلقوا يا أولادي أنا بخير.أما أنت أيتها الزوجة ، فخذي من النقود ما تشائين واشتر لنا خروفا يكون أبهى وأفضل من كل خرفان جيراننا .
وجدة يومه 10 أكتوبر 2013