النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: كأنه يوم القيامة!

  1. #1
    الصورة الرمزية فيوزه
    تاريخ التسجيل
    03 / 08 / 2009
    المشاركات
    8,466
    معدل تقييم المستوى
    1042

    كأنه يوم القيامة!



    الحمد لله الذي جعلنا على ملة إبراهيم وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


    كم تهفو النفوس لحج بيت الله الحرام وإتمام الركن الخامس من أركان الإسلام،
    والشوق إليه إنما ينبعث بعد الفهم والتحقيق بأن البيت بيت الله عز وجل، فقاصده قاصد الى الله عز وجل وزائر له، فالشوق إليه سبحانه يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة، ومنها:
    رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي وكتابة الوصية للأولاد والأهل... فيقطع العلائق لسفر الحج وليتذكر قطع العلائق لسفر الآخرة، فإن ذلك بين يديه على القرب، وما يقدمه من هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر.

    وإن التفكر في الحج وما فيه من عبادات ليذكّر بالآخرة وما فيها..

    فالإعداد للسفر يذكّر بالسفر للآخرة وما تحتاجه من زاد وما فيه من مفارقة الأهل والأحباب أيضاً، كما الحاج يحتاج سفره لزاد
    فليطلبه من موضع حلال، وليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر، وأن زاده التقوى، وأن ما عداه يتخلف عنه عند الموت ويخونه فلا يبقى معه، كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحيراً محتاجاً لا حيلة له.
    فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت، بل يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير.

    والراحلة التي يركبها الحاج للحج تذكّر بالراحلة التي سيركبها أو سيركبوه إياها وهو في طريقه لأول منازل الآخرة -القبر –، وهي الجنازة التي يُحمل عليها، فإن أمر الحج من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادًا له لذلك السفر على ذلك المركب؟ ومن يدريه لعل الموت قريب، ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للراحلة.

    وأما ثوبي الإحرام فهما أكفان الدنيا يلبسهما المرء بنفسه قبل أن يلبسوه أكفان الآخرة، قال الغزالي رحمه الله: "وأما شراء ثوبي الإحرام فليتذكر عنده الكفن ولفّه فيه، فإنه سيرتدي ويتّزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل، وربما لا يتم سفره إليه، وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفًا في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى الله ببيت الله عز وجل إلا مخالفًا عادته في الزي والهيئة، فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا، وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب، إذ ليس فيه مخيط كما في الكفن"
    وقال ابن الجوزي:"أمر المُحرِمون بالتعري، ليدخلوا بزي الفقراء، فيبين أثر (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى)".

    وأما التلبية فهي تلبية لنداء الله عز وجل، ولا يُنسى أن فيها نداء الخلق يوم القيامة. وليَذكُر الملبّي عند رفع الصوت بالتلبية نداء الخلق عند نفخ الصور، وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة، مجيبين لنداء الله سبحانه، ومنقسمين إلى مقربين وممقوتين.

    فإذا دخل مكة فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم الله آمنا، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، وليخش ألا يكون أهلاً للقرب.



    وأما وقوع البصر على البيت، فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب، ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه، وليرجو أن يرزقه الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم، كما رزقه الله النظر إلى بيته العظيم. وليشكر الله تعالى على تبليغه إياه هذه الرتبة، وإلحاقه إياه بزمرة الوافدين عليه، وليذكر عند ذلك انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة، آملين لدخولها كافة، ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين، انقسام الحاج إلى مقبولين ومردودين. ولا يغفل عن تذكر أمور الآخرة في كل شيء مما يراه، فإن كل أحوال الحاج دليل على أحوال الآخرة.

    وأما السعي بين الصفا والمروة، فهو يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيًا وذاهبًا مرة بعد أخرى، إظهارا للخلوص في الخدمة، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى؛ يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى. وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات، وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرًا إلى الرجحان والنقصان مترددًا بين العذاب والغفران.

    وأما عرفة والوقوف بها وزحامها فهي صورة من يوم القيامة وزحامه، فليذكر بما يرى من ازدحام الخلق، وارتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر، اقتفاء لهم، وسيرًا بسيرهم، عرصات القيامة، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كل أمة نبيها، وطمعهم في شفاعتهم، وتحريهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول.

    فمناسك الحج كلها عبادات تحيي في نفس المؤمن معاني عميقة طيبة يرى فيها الحج بقلبه قبل عينيه.
    فاللهم تقبل منا حجنا وعبادتنا والمسلمين أجمعين، وعلمنا وفقهنا وزكي أنفسنا كي ترقى بكل عبادة، وارضَ اللهم عنا وعن المسلمين أجمعين .





    المصدر: كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي رحمه الله -بتصرف-





  2. #2

  3. #3

  4. #4

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 18 / 11 / 2013, 13 : 05 AM
  2. قناع للوجه وبعده كأنه كريم اساس 2014
    بواسطة جيداء في المنتدى كلام نواعم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28 / 10 / 2013, 48 : 12 PM
  3. ألا تبكون من عطش يوم القيامة ؟
    بواسطة ـألبرنسيسة في المنتدى النفحات الإيمانية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05 / 07 / 2013, 06 : 01 AM
  4. الظلم ظلمات يوم القيامة
    بواسطة النهر الأزرق في المنتدى النفحات الإيمانية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04 / 04 / 2012, 53 : 10 PM
  5. بيت روعه ديكوره كأنه بكوخ‎
    بواسطة دلع العشاق في المنتدى قسم الديكور والأثاث المنزلي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17 / 12 / 2009, 33 : 06 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256