بسم الله الرحمن الرحيم






الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيِّ الأمين، صلَّى الله عليه وسلَّم،

وبعد:

فمَن أراد حِفظَ القرآن وعدَم نسيانه، فعليه أن يلتمسَ عِدَّة وسائل ثبتتْ فائدتها

بالتجرِبة في إعانةِ حافظ القُرآن على حفظه وعدم نِسيانه، وأذكُر هنا الكثيرَ منها،

وأكثرها شيوعًا بيْن حَفَظة القرآن - والله المستعان:


الوسيلة الأولى: إخلاص النيَّة لله تعالى:

قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

- وقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّة، وإنَّما لامرئٍ ما نوَى،

فمَن كانتْ هِجرتُه إلى الله ورسوله، فهِجرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانتْ هجرته لدُنيا

يُصيبها أو امرأة يتزوَّجها فهجرتُه إلى ما هاجَر إليه))؛ أخرجه البخاري

الوسيلة الثانية: أن يتخيَّر الرفقة الصالحة مِن حملة القرآن:

الرفقة الصالِحة مِن حَملة القرآن تُعين مريد القرآن على استمرار تعلُّقه بكِتاب الله

وعدَم هجْره ونسيان شيءٍ منه؛ لأنَّ حافزَهم مشترك، فكما أنَّه يجب على من يَبتغي

إتقانَ حفظ القرآن أن يتلقَّى ذلك على يدِ معلِّم حافظ متقِن لأحكامه، كذلك يَنبغي

لمريدِ القرآن أن يلتمس الرفقةَ الصالحة مع مَن هو مثله عالي الهِمَّة، يجود بوقته وجهده

وماله في سبيلِ حِفظ القرآن وتدبُّره، ودراسة عجائبه، وفَهم أسراره وتفسيره.

وكل ذلك شرَف لا يُدانيه شيءٌ أبدًا، هذا فضلاً عنِ الثواب العظيم لحمَلة القرآن في

الدُّنيا والآخِرة، أمَّا الصُّحْبة السيِّئة التي تُلهي المريد عن القرآن والطاعة، وتضيِّع

الوقت في اللهو واللعب، فذلك هو الخُسران المبين في الدنيا والآخِرة؛ قال تعالى: ﴿ الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]،

وقال النبي: ((الرَّجلُ على دِين خليله فلْيَنْظُر أحدُكم مَن يخالل))؛ أخرجه الترمذيُّ

الوسيلة الثالثة: اجتناب أكْل الحرام والشُّبهات:

أكْل الحرام والشُّبهات يُسقِم القلْب، فلا يفقه صاحبه قولاً، ولا يقْدِر على التلقِّي

والاستيعاب أبدًا، لماذا؟

لأنَّ حياةَ القلْب في افتقاره إلى الله تعالى، فإذا صلَح صلَحتْ سائرُ الأعضاء، وإذا فسَد فسدتْ سائر الأعضاء، ومَن أكَل الحرام والشُّبهات فقدْ أمات قلبَه، وباء بسخط الله

تعالى؛ لأنَّ الله طيِّب لا يَقبل إلا طيبًا.

- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله: ((أيُّها الناس، إنَّ الله

طيِّب لا يَقبل إلا طيِّبًا، وإنَّ الله أمَر المؤمنين بما أمَر به المرسَلين، فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]،

ثم ذكَر الرَّجُل يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماء يا ربِّ، يا ربِّ،

ومطْعَمه حرام، ومشْرَبه حرام، وملبَسُه حرام، وغُذِي بالحرام،

فأنَّى يُستجاب لذلك؟!))؛ أخرجه مسلم

الوسيلة الرابعة: التواضع للمعلِّم وعلو الهِمَّة في التلقِّي والحفظ:

التواضُع للمعلِّم والتأدُّب معه وإنْ كان أصغرَ سنًّا ومنزلةً مِن المتعلِّم، والاستماع إلى

تلاوته بخشوع وتدبُّر - أمرٌ ضروري لِمَن يبتغي أن يكونَ مِن حَملة القرآن، ويجب

أن يختار مريدُ القرآن شيخَه بعناية، بأن يكون حافظًا متقنًا لأحكام التلاوة.

ولا ريبَ أنَّ التعلُّم والحفظ عن طريق الاستماع والمشافَهة على يدِ معلِّم متقنٍ،

هو الوسيلة المُثلَى لمن يُريد إتقان حِفظ القرآن، وهذه هي طريقةُ سلفنا الصالح،

وحتى يومنا هذا، فقد أخَذه الصحابة مِن الرسول، والتابعون مِن الصحابة وهكذا،

والنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخَذ القرآن شفاهًا مِن جبريل - عليه السلام -

وكان يتدارَس معه القرآن في كلِّ سَنة مرَّة، وفي العام الذي قُبض فيه مرَّتين.

- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان يُعرَض على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - القرآن كلَّ عام مرة، فعُرض عليه مرَّتين في العام الذي قُبض فيه، وكان يعتكف كلَّ

عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبِض فيه"؛ أخرجه البخاري في فضائل

القرآن ح/4998.

ويجب التنبيه هنا على أنَّ الاعتماد على النَّفْس دون معلِّم خطأ كبير، وقد قيل

: لا تأخُذِ العلم مِن صُحفي - أي: من الذي تعلَّم مِن الصحف (الكتب) -

ولا القرآن مِن مُصحَفي؛ أي: لا تقرأ لنفسك دون الاستعانة بقارِئٍ متقن.

قال الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق في "القواعد الذهبيَّة":

يجِب على الحافِظ ألا يعتمد على حِفظه بمفرده، بل يجب أن يعرِض حفظه دائمًا

على حافِظ آخَر، أو متابِع في المصحَف، حبَّذا لو كان هذا مع حافظ متقِن؛ وذلك

حتى ينبِّه الحافظ بما يُمكن أن يدخل في القِراءة مِن خطأ، وما يُمكن أن يكونَ

مريد الحِفظ قد نسِيَه مِن القراءة، وردَّده دون وعي، فكثيرًا ما يحفظ الفردُ منا

السورة خطأً، ولا ينتبه لذلك حتى مع النَّظَر في المصحَف؛ لأنَّ القِراءة كثيرًا ما

تسبق النظر، فينظر مريدُ الحفظ إلى المصحف ولا يرَى بنفسه موضعَ الخطأ

مِن قراءته؛ ولذلك يكون تسميعه القرآن على غيره وسيلةً لاستدراك هذه الأخطاء،

وتنبيهًا دائمًا لذهنه وحفظه. اهـ.

قلتُ: وكذلك حِفظ القرآن والمحافَظة على تذكُّره وعدم نِسيانه يحتاج لعلوِّ همَّة،

ومتابعة دائمة، والمواظبة في الحِفظ، وجهاد النفس بالصبر والتحمُّل، وكل ذلك

مِن صفات القلب السليم الذي يسْمو بصاحبه في رِحاب آيات القرآن مِن أوامر

وزواجِر، وترهيب مِن النار، وترغيب في الجنة، فيَهاب كلام الله تعالى، وترتوي نفْسُه

من نبع القرآن وبلاغته وعجائبه، وكل ذلك لن يتحصَّل إلا بالخشوع وعلوِّ الهمَّة.

أمَّا القلْب المتكبِّر اللاهي عن سماعِ القرآن وتدبُّره فقلب صاحبه يستحيل عليه حِفظ واستيعاب القرآن قطعًا، فإنْ كان ضعيف الهمَّة مشغولَ القلب بالدنيا وزينتها، يقاتل

مِن أجلها، ويرتكِب المحرَّمات، فلن يكون مِن حَمَلة القرآن، وإنَّما مِن حَملة متاع

الدنيا الزائل، اللهمَّ إلا إذا أفاق مِن غفلته وتاب وأناب إلى الله، وجاهد نفسه وشيطانه،

وزاد مِن همَّته وعلا بها، وخشَع بجوارحه كلها لله ربِّ العالمين.

الوسيلة الخامسة: تحديد نِسبة الحفظ اليومي وعدم تجاوُزه:

إنَّ مِن الوسائل الفعَّالة لإتقان الحفظ وعدم نسيانه: أن يلتزمَ المريد بجدولٍ يسيرُ

عليه ولا يتجاوز وِردَه المقرَّر حفظه في اليوم؛ حتى لا يُشتِّت نفسه ويختلط عليه

الحفظ ويلبس عليه الشيطانُ استحالةَ قُدرته على الحفظ، ويضعف همته وحماسته

فيهجر القرآن.

وإذا كان الأمْر كذلك فيَجب على مُريد القرآن أن يتروَّى ويتقيَّد بجدولٍ للحفظ،

أو بما يُمليه عليه شيخُه ومعلِّمه، ولا يتعدَّى ذلك أبدًا؛ حتى لا ينساه ويشق

عليه الحفظ، والأفضل له تلاوةُ ما حَفِظه وتردِيده وتكريره مرَّات ومرَّات في ذَهابه

وإيابه، في ليله ونهاره، يُسمِع نفسه أو غيره، وليكن عاليَ الهمَّة، ويجتهد كي يختم

القرآن كله - إنْ شاء الله تعالى.

الوسيلة السادسة: المحافظة على الحِفظ من مصحَف واحد:

مِن البدهي أن تَكرار النظر للشيء يساعِد على تصوره، فكما أنَّ المرء يحفظ عن

طريق الاستماع كذلك الحال عن طريقِ النظر، ومَن حافظ على الحِفظ مِن مصحف

واحِد خاصٍّ به ولم يحفظ مِن غيره، اللهم إلاَّ إذا كان مصحفًا مشابهًا له في الكتابة

ومكان الكلمات، فإنَّ ذلك ييسِّر له أمْر الحفظ؛ لأنَّ صُور الآيات والكلمات تظلُّ

عالقةً بذهنه مِن مُداومة النظر، وذلك أمر قد دلَّت على أهميته وفائدته العظيمة تجارِبُ

الكثير مِن حملة القرآن.


الوسيلة السابعة: معرفة تفسير الآيات وفهمها:

فَهم معنى الآيات التي يحفظها مريدُ القرآن وتفسيرها يُسهِم قطعًا في سهولة حِفظها،

والعكس صحيح؛ لأنَّ مَن استغلق عليه فَهم معنى آية وجَد مشقَّةً في حفظها؛

يقول الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق في "القواعد الذهبية":

مِن أعظم ما يُعين على الحفظ فَهمُ الآيات المحفوظة، ومعرفة وجه ارتباط

بعضها ببعض.

ولذلك يجِب على الحافظ أن يقرأَ تفسيرًا للآيات التي يُريد حفظها، وأن يعلَم

وجه ارتباط بعضها ببعض، وأن يكون حاضرَ الذِّهن عندَ القراءة؛ وذلك ليسهلَ

استذكار الآيات عليه، ومع ذلك فيجِب أيضًا عدمُ الاعتِماد في الحِفظ على الفهم

وحْده للآيات، بل يجب أن يكونَ الترديدُ للآيات هو الأساس؛ وذلك حتى ينطلق

اللِّسان بالقراءة وإن شتَّ الذهن أحيانًا عن المعنى، وأمَّا مَن اعتمد على الفَهم وحْدَه

فإنَّه ينسى كثيرًا، وينقطع في القراءة بمجرَّد شتات ذِهنه، وهذا يحدُث كثيرًا،

وخاصَّة عندَ القراءة الطويلة. اهـ.

الوسيلة الثامنة: معرفة المتشابه والعناية به:

تَشابُه الآيات مِن حيث الألفاظ - التشابه اللفظي - في معانيها وكلماتها في القرآن

الكريم قد يشقُّ على حافظ القرآن ويُعرِّضه للخطأ، ويجد نفْسه قد أدْخل في ترتيله

آياتٍ من سورة في سورة أُخرى؛ لتشابه آية فيهما إلى حدٍّ كبير تشابهًا لا يختلف إلا

في كلمة أو اثنتين، أو أكثر أو أقل.