مفهوم الذات و أهميته

مفهوم الذات و أهميته أنّ من بين المواضيع المهمة التي تم تناولها بشيء من التفصيل عند ذوي الاحتياجات الخاصة هي مفهوم الذات , ما المقصود بهذا المفهوم وما هي أهميته , سنحاول في هذا الموضوع أن نعرف ذلك.
إعداد أيهم الفاعوري
أولاً: مفهوم الذات و تعريفه :
تسعى الدراسات النفسية عموماً إلى دراسة السلوك الإنساني و ضبطه و التنبؤ به من أجل تحديد جوانب تطوره، و ذلك من خلال دراسة أهم جانب من جوانب شخصية الفرد ألا و هو مفهوم الذات لأنه مركز الشخصية و بنائها و تكوينها، و بالتالي يساهم في تحديد قدرتها على التفاعل مع المجتمع بشكل فعال.
و قد رأى علماء النفس الأوائل الذين تعرضوا لمفهوم الذات أن المجتمع مرآة برى الفرد فيها نفسه، و عّرفوا الذات بأنها ما يشار إليه في الكلام الدارج بضمائر المتكلم كأنا الفاعلة و ياء المتكلم.
و كان وليم جيمس من أوائل علماء النفس الذين أولوا موضوع مفهوم الذات الصدارة في أبحاثهم. حيث رأى أن الذات هي المجموع الكلي لكل ما يمكن أن يرى الفرد أنه له . و أشار إلى ثلاثة أنواع من الذات:
1- الذات المادية: و هي ذات ممتدة تحتوي بالإضافة إلى جسم الفرد على أسرته و ممتلكاته.
2- الذات الاجتماعية: و تتضمن وجهة نظر الآخرين نحو الفرد.
3- الذات الروحية: و تتضمن انفعالات الفرد و رغباته (عبد اللطيف ،2000، ص:25).
و "نظم جيمس أسلوب فهم الذات بشكل أفقي ذي بعدين ممثلاً بالوجه الأمامي و الجانبي لمكعب ما . و قد قسمت الذات في الوجه الأمامي إلى أربعة عناصر هي: الجسدي و العملي و الاجتماعي و النفسي، و هذه هي المركبات التي تحدد الذات ، و تعرف الذات بأنها الشكل الفريد للطروحات الشخصية. أما الوجه الجانبي فقد تم تحليله إلى ثلاث مراحل من الإدراك الذاتي، مرحلة الاستمرارية و مرحلة التمييز و مرحلة القوة الفاعلة"(عبد اللطيف،2000 ،ص:25 ).
لقد تعددت الأطر النظرية لمفهوم الذات و ذلك على الشك التالي :
1- فكان أقدمها تلك التي تعتبر مفهوم الذات بناء أحادي البعد ، و قد لاقت وجهة النظر هذه القبول من عدد من الباحثين مثل روزنبرغ و سيمونز (Rosenberg&Simon).
2- أما وجهة النظر الثانية فتعتبر مفهوم الذات نموذجاً هرمياً، و لاقت هذه النظرة قبولاً من قبل بعض الباحثين مثل بايرن و شافلسون و بولصPolus) Byrne&Shavelson ).
3- و تعتبر وجهة النظر الثالثة مفهوم الذات نموذجاً تصنيفياً، و هذا النموذج مماثل لنظرية سبيرمان (Sperman) و ثيرستون (Thurston).
4- و وجهة النظر الرابعة أوجدها واين و ماركس (Winne & Mark) و تعتبر مفهوم الذات نموذجاً تعويضياً (عبد اللطيف،2000 ، ص: 26).
و تتخذ الذات لدى (فرنون، Vernon ) شكل مستويات متدرجة من أعلى إلى أسفل، و ذلك في ضوء ما تتضمنه من محتويات شعورية و لاشعورية، حيث تتكون الذات في مستواها الأعلى من ذوات فرعية اجتماعية عامة، ثم تجئ الذات الشعورية الخاصة، و هذه تتكون من الذات المدركة التي يستطيع الفرد التعبير عنها لفظياً – و خاصة لأصدقائه المقربين- ثم الذات البعيدة، و هذه يمكن أن يستشعرها الفرد من خلال إجراءات التوجيه و الإرشاد النفسي، ثم تأتي الذات العميقة المكبوتة في نهاية سلم الترتيب، و هذه لا يمكن أن تظهر إلا بالتحليل النفسي .(عبد اللطيف،2000 ،ص: 26).
إن لمفهوم الذات جوانب ظاهرية تقع في موضع ما من الوضوح الشعوري، و جوانب غير ظاهرية يكون الفرد على غير وعي أو شعور بها، و بالتالي فإن مصطلح مفهوم الذات يقصد به فكرة المرء عن نفسه و يتضمن كذلك اتجاهاته نحو ذاته.
ويرى (عدس و توق) أن مفهوم الذات لدى الفرد يتطور بتطور عدد من العوامل المرتبطة، منها الوعي بالجسم و تشكيل صورة عنه، ووجود الآخرين الهامين في حياة الفرد، مما يؤكد ارتباط الوضع الجسمي للفرد بمفهومه عن ذاته و قدراته بشكل مباشر ، فوظيفة مفهوم الذات هي تنظيم و تحديد السلوك من خلال عالم الخبرة المتغير الذي يعيشه الفرد، و ينمو مفهوم الذات كنتاج للتفاعل الاجتماعي و أنماط التنشئة الاجتماعية خلال مراحل حياة الإنسان المختلفة، و من مراحل الطفولة المبكرة، ليكوّن الفرد أفكاراً و معتقدات محددة عن ذاته و إمكانياته المختلفة (عبد اللطيف،2000, ص: 26).
و مفهوم الذات عند (خنفر) فهو "تكوين معرفي منظم و متعلم للمدركات الشعورية، و القدرات الخاصة بالذات، و يعبر عن تصورات الفرد و خبراته" .
و أشار (جون هولتر، Jhon Holt) إلى أن "مفهوم الذات هو تلك الأنواع التي يستخدمها الفرد بغرض تعريف ذاته، و هكذا فإنه لتعيين حدود مفهوم الذات يجب الأخذ بعين الاعتبار الطرق المتعددة التي يعرف الناس أنفسهم بها" (عبد اللطيف، 2000,ص: 27)
و أشار (ستريكر، Stryker) إلى أن الاختلاف الأبرز و الأكثر وضوحا بين ما يمثل مفهوم الذات يبدو واضحا في الأهمية و التمركز، و ذلك لكون بعض مفاهيم الذات مركزية، في حين بعضها الآخر أكثر إحاطة و خارجية . و أشار إلى أن المفاهيم المركزية ، بشكل عام تتسم بالاتساع و من المفترض أن تؤثر على المعلومات و السلوك بقوة أكبر من الأفكار المحيطة و التي اتساعها أقل . (عبد اللطيف،2000،ص:47)
أما (هيجنز، Higgins) فقد أشار إلى ثلاثة أشكال لمفاهيم الذات، منها ما يعبر عن مفهوم الذات الواقعي ، و منها ما يمثل مفهوم الذات الخاص . (عبد اللطيف،2000،ص:23)
و أشار كل من ( جرودن و دوسك Girdano & Dusek ) إلى أن مفهوم الذات يتألف من العديد من المكونات، كل منها أساسي لتحقيق الذات المثالية، و أهم هذه المكونات :
إدراك الذات – تقدير الذات – حب الذات – تقييم الذات – الثقة بالنفس – احترام الذات . (عبد اللطيف،2000،ص:28 )
و قد عرض العديد من الباحثين تعريفات مختلفة لمفهوم الذات ، إلا أنها لم تكن متسقة إلى حد بعيد. فكل منهم عرف مفهوم الذات حسب الإبعاد التي حددها، و التي رأى أنها تسهم في وضع تصور شامل لمفهوم الذات . فمنهم من حدد ثلاثة أبعاد فقط للمفهوم و هي :
1- الذات الواقعية
2- الذات المثالية
3- الذات الاجتماعية
و منهم من حدد خمسة أبعاد لمفهوم الذات هي :
1- الذات الجسمية
2- الذات الانفعالية
3- الذات العقلية
4- الذات الاجتماعية
5- البعد العام للذات ( عبد اللطيف،2000 ، ص:27 )
و أشار ( وليام فتش ) إلى أن مفهوم الذات يمكن بلورته من خلال ما أسماه بالنموذج الدائري، حيث يركز هذا النموذج على العلاقة القائمة بين الذات الشخصية و السلوك الشخصي و الكفاءة الشخصية . ( عبد اللطيف، 2000، ص:45 )
و قد قامت دراسات عديدة بتقسيم مفهوم الذات لدى الفرد إلى أربعة أقسام هي:
1- مفهوم الذات الأساسي: يشير إلى إدراك المرء نفسه على حقيقته ، و ليس كما يرغبها، حيث يتضمن هذا الإدراك جسمه و مظهره ، و قدراته، و مركزه، و دوره من الحياة، و كذلك قيمه و معتقداته و طموحاته .
2- مفهوم الذات المؤقت: و هو غير ثابت يحمله الفرد فترة وجيزة ثم يتخلى عنه، و قد يكون مرغوباً أو غير ذلك معتمداً على الموقف الذي يجد المرء نفسه فيه. و يتأثر هذا النوع من مفهوم الذات بمزاج الشخص و حالته العاطفية و خبراته الذاتية .
3- مفهوم الذات الاجتماعي: يشير إلى تصور الفرد لتقويم الآخرين له معتمداً في ذلك على أقوالهم و أفعالهم نحوه، فمفهوم الذات الاجتماعي يتطور نتيجة لتفاعل الفرد مع المجتمع. فالفرد في البداية، يقوّم قدراته و حاجاته، و قيمه و طموحاته في ضوء تقديرات الآخرين له إلى أن يصل إلى مرحلة من النمو يكون قادراً عندها على فهم و تفسير أقوال و أفعال الآخرين نحوه، يبدأ بعدها بتطوير مفهوم ذاته الأساسي .

4- مفهوم الذات المثالي: و هو عبارة عن الحالة التي يتمنى المرء أن يكون عليها، سواء ما يتعلق منها بالجانب الجسمي أو النفسي أو كليهما معاً، و منه ما كان ممكن التحقيق، و منه ما كان غير ذلك معتمداً على مدى سيطرة مفهوم الذات الأساسي أو المدرك لدى الفرد. (عبد اللطيف،2000،ص: 29 )
بهذا فإن مفهوم الذات عامل فعال في سلوك الفرد، فمفهومه عن ذاته هو الصورة التي يحملها عن ذاته، و يبني هذه الصورة من خلال تقييمه لأهميته ذاته، و يعتمد ذلك على المعلومات التي يتلقاها من أسرته، و أصدقائه . ممن يمثلون مكاناً مهماً في حياته.
و بهذا السرد و من مجموعة التعاريف نستطيع أن نقول :
1- إن مفهوم الفرد عن ذاته يعني إدراكه لما يتميز به من صفات عن غيره.
2- لمفهوم الذات أهمية كبرى في تحديد سلوك الفرد.
3- مفهوم الذات مفهوم مفعم بالقوة و النشاط، فعال، حيوي، و له جوانب متعددة .
4- مفهوم الذات تنظيم معرفي و يشكل المحور الرئيسي لشخصية الفرد، و له أهمية قصوى في تحديد سلوك الفرد و تكيفه.
5- مفهوم الذات هو مجموعة الأفكار و المشاعر و المعتقدات التي يكونها الفرد عن نفسه.
6- يعبر مفهوم الذات عن الكيفية التي يدرك بها الفرد نفسه، و التي تتشكل من خلال تفاعل الفرد مع البيئة الاجتماعية .
ثانياً : جوانب الذات :
للذات ثلاثة جوانب أساسية هي الإحساس بالذات، و إدراك الذات، و تقديم الذات. و يشير الإحساس بالذات إلى ما نشعر به عندما نفكر في أنفسنا، و يتكون هذا الإحساس ببساطة من الشعور بوجودنا كأشخاص، و على الرغم من أن بعض المفكرين مثل الفيلسوف الاسكتلندي هيوم, Hume ( 1711- 1776 ) قد أثاروا الشك في إمكانية التأكد من تلك السمة الأولية للذات إلا أن معظمنا يميل إلى وجهة نظر الحس العام للاسكتلندي توماس ريد، Raid (1710- 1796) حيث قال إن الرجل الذي لا يؤمن بوجوده غير جدير قطعاً بالمناقشة و مثله مثل الرجل الذي يعتقد أنه مخلوق من زجاج .(عبد الرحمن، 2004 ص:98 )
كما ينشأ لدى كل فرد فينا أثناء حياته إدراك تقييمي للذات، فقد يعتقد شخص ما أنه منُجز أو خجول، و يشار إلى هذا الجانب بأنه تقييمي لأنه يقترن بالمشاعر الإيجابية و السلبية نحو الذات، فقد تشعر "دينا" أنها خجولة و أن خجلها هذا يسببِ لها كل أنواع الصعوبات الاجتماعية، و قد تتمنى أن تكون أكثر انفتاحا و ثقة بذاتها في المواقف الاجتماعية .
أما الجانب الثالث فهو كيفية تقديم أنفسنا للآخرين، فقد تحاول "دينا" مثلاً أثناء مقابلة للحصول على وظيفة تقديم نفسها على أنها شخصية مُنفتحة وواثقة من ذاتها.
و السمة المدهشة لجوانب الذات من وجهة النظر النفسية الاجتماعية هي أنها يمكن أن تناقض بعضها البعض، و على سبيل المثال فقد تنجح "دينا" في تقديم نفسها للشخص القائم بالمقابلة على أنها إنسانة شديدة الثقة بنفسها، و لكنها قد تشعر في الوقت ذاته أنها شديدة الخجل فعلا و تفتقر إلى الثقة بالنفس .
و يختلف جانبا الإحساس بالذات و إدراك الذات عن جانب تقديم الذات في مدى العلنية و الوضوح، حيث لا يمكن ملاحظة هذين الجانبين ملاحظة مباشرة من الخارج في حين الجانب الثالث ظاهر و يمكن ملاحظته مباشرة. فالمديرون الذين يقومون بمقابلة "دينا" لا يمكنهم ملاحظة إحساسها بنفسها و إدراكها لذاتها على أنها من خلال الملاحظة المباشرة، و لكن يمكنهم ملاحظتها مباشرة أثناء تقديمها لنفسها أثناء المقابلة.(عبد الرحمن، 2004 ص:98)
و يذهب موجهدام (199) إلى أن انطباعنا عن ذاتنا يتشكل من كلا الجانبين و هما: تقديرنا لذاتنا، أي شعورنا تجاه أنفسنا، و مفهومنا عن ذاتنا أي ما نعرفه عن أنفسنا، ويرى أنه على الرغم من أن هذين المكونين يبدوان مألوفين و مريحين إلا أنهما يتطوران و يتغيران باستمرار بتغير خبراتنا و ظروف حياتنا و الوسط الاجتماعي الذي يضمنا.