أكد الرئيس التونسي المنصف المرزوقي أن عودة مفهوم القمم الاقتصادية دلالة على تغير الوعي لأن المشاكل العربية الحقيقية مشاكل اقتصادية واجتماعية.
وأضاف في حديث ل» الرياض» إلى أن العرب اكتشفوا الطريق بعد أن ضيعوا خمسين عاماً في قمم سياسية لم تؤدّ إلا لزيادة الفُرقة. مشيراً إلى أن فترة تحكُم الأمور السياسية بالاقتصادية قد ذهبت مع الثورات العربية التي كان الجانب السياسي فيها يتحكم في الاقتصادي فيشّل التنمية.
وتطرق الرئيس المرزوقي إلى الأزمة في مالي مؤكداً أن الوجود الفرنسي لوقت طويل ليس من مصلحة باريس، لافتاً في ذات الوقت أن عدم إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة يهدد المنطقة بأكلمها. مؤكداً بأن القاعدة عنصر تهديد على صورة المنطقة واستقرارها ووجودها لكن لا يهدد المسار الديموقراطي.
واستغرب الرئيس التونسي من تضايق قيادات دول الربيع العربي من الاحتجاجات، قائلاً: «لا يمكن أن تصل إلى السلطة بديموقراطي، وتقول لا تحتجّوا على النظام الديموقراطي. الاحتجاج جزء من العملية الديموقراطية» فإلى نص الحوار:

الوجود الفرنسي في مالي يهدد المنطقة.. والقاعدة لا تهدد المسار الديمقراطي
* ما مدى اهتمام تونس بهذه القمة ؟
- يجب الانتباه أن مفهوم القمة الاقتصادية مفهوم جديد. إلى الآن أقمنا كثيرا من القمم كلها سياسية وكلها لم تأت بشيء مهم، لأنها كانت تسعى للتعامل مع المشاكل السياسية من فوق دون الاهتمام بالأساس وهي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، الآن عودة مفهوم القمة الاقتصادية هو دلالة على تغير الوعي لأن المشاكل الحقيقية هي مشاكل اقتصادية واجتماعية ثم تتبعها المشاكل السياسية ونحن بدأنا ندخل في المنظومة التي دخلها الاتحاد الأوروبي منذ نصف قرن. فالاتحاد الأوروبي بني عن طريق الاتفاقيات مثل اتفاقية الفحم والصلب ثم توافق فرنسي ألماني ثم توسيع السوق المشتركة، وهكذا بنى الأوروبيون وحدتهم. نحن للتّو اكتشفنا الطريق بعد أن ضيعنا 50 سنة من النقاشات السياسية لم تؤد إلا إلى زيادة الفرقة بين أنظمة ديكتاتورية أغلب الوقت. الآن بدأنا في الطريق الصحيح وهو أن نطرح مشاكل التنمية والشراكة ومحاربة البطالة وربط الشبكة الكهربائية والسكك الحديدية وكل هذا سيعطي للفضاء العربي المشترك وعلى أساسه ستبنى التوافقات السياسية التي ستؤدي إلى الاتحاد العربي كما وصل الاوروبيون إلى الاتحاد الاوروبي. اليوم عندما نقرأ أن هناك 10 مليارات دولار سوف تخصص لبرامج تنمية وأن المملكة ستلعب دورا كبيرا في هذه العملية والكويت كذلك تشعر بنفس جديد في العلاقات العربية، وكل هذه المؤسسات الإنمائية ستعين دول الربيع العربي ودولا اخرى على مواجهة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وتثبيت الاستقرار ففي نهاية المطاف.. أصبح الدرس واضحا لا يمكن أن يكون هناك استقرار سياسي أو أمن بدون تنمية هذا الشيء الذي أصبح واضحا كل الوضوح. في البداية كانت فكرة الامن والاستقرار عن طريق الشرطة والقمع وأصبح هذا الآن غير وارد، فالعلاقات الطيبة بين الشعوب هي التنمية الاقتصادية والاجتماعية أما دور المخابرات والشرطة والتعذيب وسائل انتهت والحمد لله.
* على إيقاع الشراكة أنتم في تونس كان لديكم شراكة ليست في المستوى المطلوب مع المملكة والخليج، على ماذا تركزون أنتم من أجل زيادتها؟
- تونس مثل بلدان المغرب العربي تقريباً 80%من تجارتها مع أوروبا والتجارة ما بين بلدان المغرب العربي لا تتجاوز أحياناً 2% والعلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الخليج شبه معدومة، والآن في دول الربيع العربي أصبحت مصالح الشعب تفرض نفسها على السياسيين، اليوم بناء الاتحاد المغاربي أصبح ضرورة والشعوب قادرة على فرضها ونحن ماضون في هذا الاتجاه مثل دمج الطرقات والملاحة. هذا الترابط سيفرض في السنوات المقبلة، بعد ذلك نريد التوسع إلى منطقة المشرق العربي التي تزخر بالموارد التي يمكن ان تستغل في منطقتنا، وعندما نقول نحن نريد الاستثمار الخليجي نريد ان نخرج من منطق العمل الخيري أو الوطني إلى منطق الربح. نعتقد أن العالم العربي يمكن ان يكون منطقة رابحة للاستثمار العربي قبل أن تستثمر في أوروبا وآسيا، الآن بإمكانها ان تستثمر في المنطقة العربية داخل منطق الربحي التجاري وفي نفس الوقت هذا يؤدي إلى عملية بناء الأمة واستقرارها.
* لكن ألا تخشون أن تلقي السياسية بظلالها على المشهد الاقتصادي وتعكر صفو الاقتصاد في حال اتخاذ أي خطوات ؟
- لا اعتقد هذا كان في مدرسة ما قبل الثورات العربية فيتحكم السياسي بالاقتصادي ويشل النمو. الآن كل الناس مدركه أن الأساس هو التنمية الاقتصادية التي لديها قواعدها وهو قبول الاستثمار وتوفر بيئة قادرة على استيعاب رؤوس الأموال، والآن ندخل في مرحلة جديدة وهي أن السياسي مهمته الأساسية توفير ظروف الاستثمار الحقيقية حتى تتمكن وتقوم التنمية ويؤدي بالتالي للاستقرار.
* ما مدى انعكاس الأوضاع الداخلية في دول المغرب العربي على الاتجاه نحو اتحاد مغاربي؟
- بالطبع ، الشعوب هذه كانت مقموعة مصالحها أن يكون هناك فضاء مشترك والحدود تعطل المصالح المشتركة وروابط اجتماعية ولم يكن لها حول ولا قوة، الشعوب الآن أصبحت قوية وناطقة وتريد الاتحاد، واعتبر أن ثورات الربيع العربي سوف تسرع بقيام هذا الاتحاد المغاربي، نحن في تونس دخلنا في منظومة الحريات الخمس إذ سنعطي كل المغاربيين خمس حريات هي حرية الاستقرار والدخول والعمل والتملك والمشاركة في الانتخبات البلدية، وأتصور خلال خمس سنوات إلى حد أقصى سيكون ذلك في جميع الدول المغاربية.
* حتى في دول لم تحدث فيها ثورات كالجزائر مثلاً؟
- الإخوة في المغرب موافقون على الخمس والجزائر على ثلاث منها.
* فيما يخص الوضع في الصحراء الكبرى وتحديداً الأزمة في مالي التي تشترك في الحدود مع المغرب وموريتانيا، إلى أين تذهب هذه الأزمة ؟
- نحن نخشى أن تكون هذه الأزمة تهديدا لكامل المنطقة المغاربية، فمالي لديها حدود مع موريتانيا والمغرب والجزائر وليست بعيدة عن تونس وليبيا وبالتالي لا قدر الله لو تشكلت بؤرة تصبح مثل أفغانستان وبالتالي تصدر الإرهاب، وربما تثير جماعات سلفية موجودة في بلداننا ويكون هنالك ارتباط بين هذه الشبكات الأمر الذي يشكل خطرا علينا، وبالتالي نحن نتابع هذا الوضع بكثير من الانشغال ونأمل بسرعة إيجاد حل سياسي لهذه المشكلة، لأن الحل ليس عسكريا، بل عن طريق بناء الدولة المالية والحكومة والجيش، عن طريق الماليين أنفسهم وحل المشكلة التي جلبت هذه الأزمة وهي مشكلة " الأزاود " وهم الطوارق الموجودون في شمال مالي، والتي تريد نصيبها من "التنمية" وهي قضية نعود إليها مرة أخرى، وفصل الجماعات الإرهابية عن القضية السياسية وفصل كل هذه القوى المتنازعة وليس الخلط بينها ويبدو أن هذا هو الاتجاه الذي تسير فيه كل القوى وبعد ذلك يمكن إعادة الهدوء والاستقرار إلى شمال مالي، إن لم يقع هذا فإن كل الحدود ستكون مهددة.

* لكن وجود القوى الدولية وتشكل تحالف من نوع آخر للسيطرة لا يمكن معرفة شكلها في مالي، بمعنى الوجود الأجنبي العسكري في المنطقة ربما يثير المشاكل؟
- لهذا نأمل أن لا يدوم وجود الفرنسيين طويلاً لمصلحتها ومصلحة المنطقة بأكملها، بأن ينسحب الفرنسيون في اقرب وقت واعتقد أن هذا توجه باريس التي تؤكد أنها بعد أن تقوم بجملة من العمليات ستحيل الموضوع إلى قوات افريقية وهذا ما نأمله.
* ما تقييمكم للقاعدة في شمال المغرب العربي؟
- هي عنصر تهديد على صورة المنطقة واستقرار بعض المناطق الحدودية، ولكن في نهاية المطاف لا تهدد المسار الديموقراطي ولا المنطقة ككل، لأن كل هذه التنظيمات كانت تتصور أنها سترث الاستبداد ففاجأتها الشعوب بتصفية الديكتاتوريات وبطرقها السلمية وليس عن طريق الإرهاب، وبالتالي كل هذه الجماعات لم يصبح لها محل من الإعراب بعد سقوط الديكتاتوريات ورفعت الشعوب شعارات التنمية والديموقراطية. وهي تبحث عن موطىء قدم وإستراتيجية وفلسفة جديدة ليصبح لها "ضرورة" في الخارطة بينما هي في الحقيقة لم يعد لها ضرورة، لأن الاستبداد اختفى والشعوب تريد التنمية والديموقراطية والتجذر في هويتها العربية والإسلامية، لكنها لا تريد العودة إلى ثيوقراطيات دينية كما يمكن أن تبشر بها القاعدة أو منظومات سياسية أخرى، وهذا سيؤدي بالشعوب المتحررة والدول الجديدة إلى مواجهة هذه الجماعات التي ستواجه بدورها الدول الديموقراطية، لكن من منظور ماذا؟ فهذه الجماعات كانت تحارب الفساد والاستبداد والتنكر للهوية العربية الإسلامية وهو الأمر الذي لم يعد موجودا في الدول الآن. القاعدة وهذه الجماعات في ورطة لأنها يجب أن تجد لها سببا لوجودها.
* بالنظر إلى ما أفرزه "الربيع العربي" نرى أن الاحتجاجات ما زالت متواصلة في تونس ومصر تحديداً وإذا قمنا بمقارنة نجد أن من وصل لمراكز السلطة فريق من ذات المرجعية الايدولوجية، هل أنتم تطلبون من الشعوب الصبر على الخيار الديموقراطي الذي أتت به صناديق الاقتراع، وبالتالي يبقى الاحتجاج مجهول السبب؟
- الديموقراطية ماهي ؟ هي حرية التعبير والاحتجاج والرأي أنت لا يمكن أن تأتي إلى السلطة بديموقراطي، وتقول لا تحتجّوا على النظام الديموقراطي. الاحتجاج جزء من العملية الديموقراطية، وعندما تشاهد في دول مثل فرنسا هناك مظاهرات في كل مكان. القضية أنه يجب أن تبقى الاحتجاجات في إطار الديموقراطية بدون عنف وتهيئ للتغير بالوسائل السلمية، وطالما بقيت الأمور في هذا الإطار فهي عادية وطبيعية، استغرب مِن َمن يناضل لحرية التعبير وعندما تأتي الصحف وتنتقد يقول هذا غير مقبول! أنا لا تضايقني هذه الاحتجاجات وأعتبرها طبيعية في نظام ديموقراطي وصحية. أين تقلقني وتزعجني؟ إذا مالت إلى العنف والفوضى وهنا يجب وضع الضوابط ووضع الحدود لأن العنف والفوضى خط أحمر. فالمنظومة الديموقراطية يستبدل فيها العنف الجسدي بالعنف الرمزي.