هل لنا أن نحلم أن يعود وطننا إلى غرفتنا الهادئة بسلام، وهل لنا أن نعود إلى مساءاتنا مع عائلاتنا حاملين أكلة جديدة للأولاد، وهل لنا أن نشطح بخيالنا إلى نقطة الذروة التي يمكن أن تنسي أطفالنا البسطار العسكري أي (الحذاء العسكري) الذي غزا دمشق.
قبل تسعة أشهر من الآن كان من النادر أن تمشي في شوارع دمشق وتلتقي بأكثر من شخص بالزي العسكري الرسمي، وحتى لو التقيت بواحد أو اثنين فإن هذا اللقاء لا يترك في نفسك أثراً سلبياً كان أو إيجابياً.

والآن وبعد تسعة أشهر من عمر الثورة السورية أصبح من النادر أن تمشي بضع خطوات دون أن تشاهد سيارة عسكرية تحمل عشرة أو أكثر من العساكر لتنزلهم في مكان واحد ولينتشروا بسرعة في ذلك المكان وكأنهم متوجهين إلى الحرب بعتادهم وأسلحتهم الكاملة، يبدأ قلبك بالرجفان وعيونك بالزوغان، ترى ماذا يريدون من التوزع في شارعي الذي أسكنه، هل أصبح لكل مواطن سوري دبابة، ولكل مواطن سوري (بارودة) لتصيبه في مقتله، وهل ندفع كمواطنين صالحين ثمن الرصاص الذي سنقتل به.

هل سنبدأ برؤية الدبابات في شوارع دمشق مترافقة مع البساطير العسكرية، ليصبح لكل مواطن دبابة في الحالة العامة، وربما يتم فرز للمدنيين منا دبابة إلى يسارنا وأخرى على يميننا وواحدة لنقل الأولاد ولكن ليس إلى المدرسة وإنما إلى ملجأ للأيتام.

كل ما يشغل بال أي شخص يمر بجانب ذلك العدد من العساكر في أي من شوارع دمشق هو كيف يمكن له أن يخفي خوفه واضطرابه أمام طفله، وإن كان ذلك يستحق العناء فإنما يستحق العناء أكثر هو محاولة الإجابة بهدوء وروية عن أسئلة الطفل البريئة.

قتلني سؤال طفلي قبل يومين عن سبب حمل ذلك "العمو" للبارودة على كتفه، قتلني شعوري بالعجز أمام طفل لم يبلغ الست سنوات بعد، وما أهانني ربما، أن طفلي هذا كان أشجع مني وحاول أن يفلت من يدي ليركض إلى العسكري مرحباً به معتبراً أنه سيلعب معه لعبة الحرب.

ماذا لو لم أكن أمسك بيده وهرب فجأة باتجاهه، هل سيستوعب لابس البسطار الذي يرتدي عقدة جبينه قبل ملابسه طفلاً من بلده يركض باتجاهه، أجزم بلا.. لن يستوعب ولن يستطيع التفكير لحظة قبل أن يتصرف كأي عسكري يحمل سلاحاً على كتفه.


وجهاً لوجه مع البارودة
وتصادف وجودي يوم الأحد الماضي أمام فندق الشام (مكان إقامة لجنة المراقبين العرب) في نفس اللحظة التي وصلت فيها سيارة مرسيدس سوداء "مفيّمة"، وطبعاً وللوهلة الأولى لم أنتبه لأهمية هذه السيارة إلى أن وقفت أمامي سيارة من نوع (الفان) ملأى بالشباب الذين يرتدون ملابس رسمية، وخلفها وقفت ثلاث سيارات ترجل منها حوالي 8 بالزي العسكري الرسمي حاملين أسلحتهم.

وركض الجميع باتجاه المرسيدس، وهو ما جعلني بالمصادفة وسط كل أولئك الملهوفين على سلامة أحد أعضاء اللجنة الذي يترجل ببطء منها، وربما لم أكن أدرك قبل هذه اللحظة مقدار الخوف الذي بت كفتاة سورية أحمله من مشاهدة كل هذا الكم من العسكريين، ولم يخطر ببالي لحظتها إلا أن أتوجه إلى ذلك الشخص المهم جداً لأسأله: هل أنت خائف من الشعب السوري، أم من هذا الجيش الذي يهرول للحفاظ على سلامتك في وسط دمشق في أكثر المناطق هدوءاً ورقياً..

ربما يظن الكثيرون أن دمشق العاصمة لا تحمل جنين ثورتها، وربما يظن الكثيرون أن الأمور هناك أكثر هدوءاً من أن تنتج أي نشاط ثوري كما بقية المدن السورية، ولكن ما لا يعرفه هؤلاء أن البسطار العسكري غزا الشوارع والحارات، وبات إغلاق الكثير من الشوارع الرئيسية أمراً اعتيادياً مما يشل الحركة داخل المدينة لساعات، عدا عن ذات الشلل الناتج عن المسيرات المؤيدة التي تنطلق دائماً بوسط المدينة بحماية عسكرية مهيبة، ما يجعل أي مواطن سوري طبيعي معارض يسأل نفسه: أين حقي في شوارع مدينتي، وأين حقي في حماية الجيش، وليصل بسرعة إلى نتيجة مفادها "الجيش لهم وليس لنا".