من شطحات الصوفية ومنهجهم - قصيدة البردة

من شطحات الصوفية في النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ما تُسمَّى بقصيدةِ البُردةِ, وفيها يتضحُ منهجُ الصُّوفيةِ في النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وسيتبين لنا ضلالُ الصُّوفيةِ من خلالِ ردودِ علماءِ أهلِ السُّنةِ على هذه القصيدةِ الشِّركيَّةِ .
يقول الشَّيخُ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب: " في تفسير سورة الفاتحة " وأمَّا الملك فيأتي الكلام عليه ، وذلك أنَّ قولَهُ - تعالى - : {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} , وفي القراءةِ الأُخرى {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فمعناه عند جميعِ المفسِّرين كُلِّهم ما فَسَّرهُ اللهُ به في قولِهِ : {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} سورة الانفطار الآيات: 17-19.
فَمَنْ عَرَفَ تفسيرَ هذه الآيةِ، وعَرَفَ تخصيصَ المُلكِ بذلك اليومِ - مع أنه سبحانه مالك كلِّ شيءٍ ، ذلك اليوم وغيره - عَرَفَ أنَّ التخصيص لهذه المسألةِ الكبيرةِ العظيمةِ التي بسبب معرفتِها , دَخَلَ الجنَّةَ مَنْ دَخَلَهَا ، وبسببِ الجهلِ بها دَخَلَ النَّارَ مَنْ دَخَلَهَا، فيالها من مسألةٍ لو رَحَلَ الرجلُ فيها أكثرَ من عشرينَ سنة لم يوفِّها حقَّها ، فأينَ هذا المعنى والإيمان بما صَرَّحَ به القُرآنُ ، مَعَ قولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - :( يا فاطمة بنت محمد, سليني ما شئتِ من مالي ، لا أُغني عَنْكِ من اللهِ شيئاً )البخاريُّ ، الفتح, كتاب الوصايا ، باب هل يدخل النِّساءُ والولدُ في الأقاربِ , رقم : (2753) (5/449) من قولِ صاحبِ البُردةِ:

ولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ***إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتـقــــمفـإنَّ لي ذمةً منـه بتسميـتـي ***محمَّداً وهو أوفى الخلقِ بالذِّممِ إنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي***فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدمِ

فليـتأمَّل مَنْ نَصَحَ نفسَهُ هذه الأبيات ومعناها ، ومن فُتِنَ بها من العبادِ، ومِمَّن يدَّعِي أنه من العُلماءِ , واختاروا تلاوتها على تلاوةِ القُرآنِ .
هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله : َوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (19) سورة الانفطار .
وقوله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ) لا والله، لا والله, لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمداً صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق. لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حَتَّى تشيبَ مَفَارِقُ الغِرْبانِ. راجع: تفسير سورة الفاتحة من مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب (5/13).
وقال العلامة المجدد عبد الرحمن بن حسن في البردة:
وقد ذكر "شيخ الإسلام"، عن بعض أهل زمانه: أنه جوَّز الاستغاثةَ بالرَّسُولِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-في كُلِّ ما يُستغَاثُ فيه باللهِ.وصنَّفَ في ذلك مُصنَّفاً، ردَّهُ "شيخ الإسلام"، وردُّه موجودٌ بحمدِ اللهِ. ويقول: إنه يعلم مفاتيح الغيب، التي لا يعلمها إلا اللهُ. وذكر عنهم أشياء من هذا النمط. نعوذ بالله من عَمَى البَصيرةِ.
وقد اشتهر في نظمِ البُوصيريِّ قولُهُ:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العممِ !!
وما بعده في الأبيات، التي مضمونها: إخلاص الدعاء، واللياذ والرجاء, والاعتماد في أضيق الحالات، وأعظم الاضطرار لغير الله. فناقضوا الرَّسُولَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة ، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة ، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم ، في قالب محبة النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتعظيمه، وأظهر لهم التوحيد والإخلاص ، الذي بعثه الله به في قالب تنقصه.
وهؤلاء أفرطوا في تعظيمه بما نهاهم عنه أشد النهي، وفرّطوا في متابعته. فلم يعبئوا بأقواله وأفعاله، ولا رضوا بحكمه ولا سلّموا له، وإنما يحصل تعظيم الرَّسُول-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-بتعظيم أمره ونهيه. وهؤلاء عكسوا الأمر. فخالفوا ما بلَّغ به الأمة، وأخبر به عن نفسه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فعاملوه بما نهاهم عنه: من الشرك بالله، والتعلق على غير الله، حَتَّى قال قائلهم:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ بـه
***سواك عند حلول الحادث العممإن لــم تكن في معادي آخذاً بيدي*** فضلاً وإلا فقل: يا زلة القـــدمفـــإن من جودك الدنيا وضرتـها***ومن علومك علم اللـوح والقلـم
فانظرْ إلى هذا الجهلِ العظيمِ، حيث اعتقد أنه لا نجاةَ له إلا بعياذِهِ ولياذِهِ بغيرِ اللهِ.
وانظر إلى هذا الإطراءِ العظيمِ، الذي تجاوزَ الحدَّ في الإطراءِ، الذي نَهَى عَنْهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بقولِهِ: ( لا تُطروني كما أطرتِ النَّصارى ابنَ مريم،إنَّما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُهُ)أخرجه البخاريُّ كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها...(6/551) برقم (3445) وقد قال الله - تعالى- :ُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ}(50) سورة الأنعام.
فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة، والمحادَّة لله ورسوله. وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير، خصوصاً ممن يدعي العلم والمعرفة، ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. راجع: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد, باب ما جاء أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو, ( 1 / 381 ). و باب قول الله - تعالى - : {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} ( 2 / 693 ).
وقال العلامة المحدث سليمان بن عبد الله في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: "ومن بعض أشعار المادحين لسيدِ المرسلينَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سواك عند حلول الحادث العممولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ***إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتـقـمفـإنَّ لي ذمـةً منه بتسميـتي***محمَّداً وهو أوفى الخلقِ بالذِّممِإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يا زلةَ القدم

فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك.
منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلَّت به الحوادث، إلا النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
الثاني: أنه دعاه وناداه بالتضرع, وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية.
الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله: (ولن يضيق رسول الله...) البيت...
وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء.
الرابع: قوله: فإن لي ذمة... إلى آخره.
كذب على الله وعلى رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك.
تناقض عظيم وشرك ظاهر، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً، وإلا فيا هلاكه.
فيقال: كيف طلبت منه أولاً الشافعة, ثم طلبت منه أن يتفضل عليك، فإن كنت تقول: إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فكيف تدعو النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وترجوه وتسأله الشفاعة؟ فهلّا سألتها ممن له الشفاعة جيمعاً، الذي له ملك السموات والأرض، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله.
وإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته، بإذن الله.
قيل: فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضاد لقوله - تعالى - : {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}الانفطار: 17 - 19.فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا.
وإن قلت: سألته أن يأخذ بيدي، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته.
قيل: عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله، وذلك هو محض الشرك.
السادس: في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن، فأين هذا من قوله - تعالى - :{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة:5 , وقوله - تعالى - :{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة:129، وقوله - تعالى - : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} الفرقان : 58 ، وقوله - تعالى- :{قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً}الجـن:21-22. فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه . قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط، كما قال نوح - عليه السلام - : {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}هود:47.
ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرَّسُول معبوداً.
قلت: وقال البوصيري:
فإن من جودك الدنيا وضرتها***ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدّرس ، وكل ذلك كفر صريح .
ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته - عليه السلام - وتعظيمه ومتابعته ، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام إتّباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ؛ لأن هذا ليس بتعظيم ، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه ، فإن التعظيم بالقلب : ما يتبع اعتقاد كونه عبداً رسولاً ، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين. ....... فكيف بمن يقول فيه ؟ !
ويقول في همزيته:
اهذه علتي وأنت طبيبُ***ليس يخفى عليك في القلب داء
وأشباه هذا من الكفر الصريح . راجع: كناب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ( ص 621 ) .
ويقول العلامة محمد بن على الشوكاني في البردة:
فانظر- رحمك الله تعالى - ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهي عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- كما يقوله صاحب البردة :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سواك عند حلول الحادث العمـم

فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغفل عن ذكر ربه ورب رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذا بابٌ واسِعٌ ، قد تلاعب الشَّيطانُ بجماعةٍ من أهلِ الإسلامِ حَتَّى ترقَّوا إلى خطابِ غيرِ الأنبياءِ بمثلِ هذا الخطابِ ، ودخلُوا من الشِّركِ في أبوابٍ بكثيرٍ من الأسبابِ. ومن ذلك قولُ مَنْ يقولُ مُخاطِباً لابنِ عُجَيلٍ :
هات لي منك يابن موسى إغاثة***عاجلاً في سيرها حثاثة

فهذا محض الاستغاثة التي لا تصلح لغير الله لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين.
وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس ، ووقع أيضاً لمن تصدى لمدح نبينا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ , فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد قال الله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات : 55. راجع: الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( 59 -60 ).
وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين في كتابه " الرد على البردة " قوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحادث العممولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ***إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتـقـمفإنَّ لي ذمةً منه بتسميتــــي***محمَّداً وهو أوفى الخلقِ بالذِّممِإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يا زلةَ القدم
مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها, وهو الأخذ بيده في الآخرة , وإنقاذه من عذاب الله ، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح - عليه السلام - وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله , ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بقوله: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) 1والإطراء هو المبالغة في المدح حَتَّى يؤول الأمر إلى أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية.
وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كقوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحادث العمم
أي و إلا فأنا هالك، والنَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يقول في دعائِهِ:(( لا ملجأ منك إلا إليك)) أخرجه البخاريُّ, كتاب الدعوات باب إذا بات طاهراً(11/112) برقم(6311). وقوله:
إنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدمفـــإن من جودك الدنيا وضرتـها***ومن علومك علم اللـوح والقلـمأو شافعاً لي...... إلخ.
أي و إلا هلكت، وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله: " أو شافعاً لي " صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها, وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة. فإن لم يكن فبالشفاعة.
والناظم آلت به المبالغة في الإطراء الذي نهى عنه الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في خطابه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - :
الأمان الأمان إن فؤادي
***مـــن ذنــوب أتيتـهن هـراءهذه علتي وأنت طبيبي***ليس يخفى عليك في القلب داء
فطلب الأمان من النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب, فتضمن كلامه سؤاله من النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مغفرة ذنبه وصلاح قلبه، ثم إنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب. وقد قال - سبحانه - :{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (101) سورة التوبة. وقال - تعالى - :{وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} (60) سورة الأنفال. وخفي عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أمر الذين أنزل الله فيهم:{وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} (107) سورة النساء. حَتَّى جاء الوحي, وخفي عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أمر أهل الإفك حَتَّى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين - رَضِيَ اللهُ عَنْهُا - وهذا في حياته فكيف بعد موته, وهذا يقول:" وليس يخفى عليه في القلب داء " يعني أنه يعلم ما في القلوب والله - سبحانه - يقول: {وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(154) سورة آل عمران. وقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - : (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار) أخرجه البخاري كتاب الحيل باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت..(12/355) برقم(6967). راجع: كتاب الرد على البردة للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين (ت/1282هـ)(ص361- 363)(387-388).
وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - في كتابه "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218):
وقد ضَلَّ مَنْ زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام,أو عيسى بن مريم - عليه السلام - ، وكذلك بعض الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحاً له:
فكن كمن شئت يامن لاشبيه له***وكيف شئت فما خلق يدانيك
وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرَّسُول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحــادث العمـمولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ***إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتـقــــمفـإنَّ لي ذمـةً منــه بتسميـتــي***محمَّداً وهو أوفى الخلقِ بالذِّممِإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدم
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - : وهذا من أعظم الشرك؛ لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرَّسُول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، ومقتضاهُ أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
وقال - أي: البوصيري - " ومن علومك علم اللوح والقلم" يعني: وليس ذلك كل علومك؛ فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ. أ. هـ ‍راجع: "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218).

قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد:
قوله تعالى ولا شفيعٌ أي : واسطة، يتوسط له عند الله، ما أحد يشفع لـه يوم القيامة إلا بإذن الله - سبحانه وتعالى - ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه ، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء, ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب " البردة ":
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحادث العممإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدم
هذا على اعتقاد المشركين أن الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - يأخذ بيده ويخلصه من النار، وهذا ليس بصحيح، لا يخلصه من النار إلا الله - سبحانه وتعالى - إذا كان من أهل الإيمان.
راجع: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/241).
عن أنس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - : أن أناساً قالوا: يا رسول الله ، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: (يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولايستهوينكم الشيطان، أنا محمد رسول ؛ عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عَزَّ وجَلَّ). أخرجه أحمدُ في المسندِ(3/241) وصححه الألبانيُّ في غاية المرام ص(127).
فهذا الحديث يُستفاد منه فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: فيه التحذير من الغلوّ في حَقِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن طريق المديح، وأنّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنّما يوصف بصفاتِه التي أعطاهُ الله إيَّاها: العبوديّة والرِّسالة، أمّا أن يُغالى في حقَّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكُروب, ويغفر الذنوب، وأنه يستغاث به - عليه الصلاة والسلام - بعد وفاته، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبوية في أشعارهم: " البُردة " للبوصيري، وما قيل على نسجها من المخرفين، فهذا غلو أوقع في الشرك كما قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحــادث العمـمإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدم
فهذا غلوٌّ - والعياذ بالله - أفضى إلى الكفر والشِّرْك، حَتَّى لم يترُك لله شيئاً، كلّ شيء جعله للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - : الدُّنيا والآخرة للرسول، علم اللوح والقلم للرسول، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلا الرَّسُول، إذاً ما بقي لله - عَزَّ وجَلَّ - ؟
وهذا من قصيدةٍ يتناقلونها(2) ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد.
وكذلك غيرُها من الأشعار، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - .
وأمّا مدحُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول، وأنه أفضل الخلق، فهذا لا بأس به، كما جاء في أشعار الصَّحابَة الذين مدحوه، كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكذلك كعب بن مالك،وعبد الله بن رَوَاحة، فهذه أشعار نزيهة طيبة، قد سمعها النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأقرها؛ لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو، وإنما فيها ذِكْرُ أوصافِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - . راجع:إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/312).
ويقول الشيخ الفوزان أيضاً: ففي قوله:"عبد الله" ردٌّ على الغُلاةِ في حَقِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - . وفي قوله:"رسوله" ردٌ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، والمؤمنون يقولون: هو عبد الله ورسوله.
هذا وجه الجمع بين هذين اللفظين، أن فيهما رداً على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - .
وفيه: ردٌّ على الذين غلو في مدحِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - من أصحاب القصائد، كقصيدة البُردة, والهمزية, وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ،حَتَّى قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به*** سـواك عند حلول الحــادث العمـمإنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدم
فنسي الله - سبحانه وتعالى - . ثم قال:
إنْ لم تكنْ في معادي آخِذاً بيــدي*** فَضْلاً وإلا فَقـُلْ يـا زلـةَ القــدم

يعني: ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرَّسُول. ثم قال:
فإن من جودك الدنيا وضرته
*** ومن علومك علم اللوح والقلم
الدنيا والآخرة كلها من وجود النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، أما الله فليس له فضل،هل بعد هذا الغلو من غلو؟؟.
واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، ونسي الله تماماً - والعياذ بالله - .

1 - سبق تخريجه.

2 - يقصد الصوفية.